العدد 1696
الخميس 06 يونيو 2013
الديكتاتورية والأخلاق أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الخميس 06 يونيو 2013

يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت هناك علاقة ما بين الديكتاتورية والأخلاق وما إذا كانت تلك العلاقة طردية أم عكسية مع إنها وبأي حال لا يمكن أن تكون علاقة طردية إن وجدت فهي حتما وبلا جدال تكون علاقة عكسية تضمحل فيها النزعة الأخلاقية كلما زادت الديكتاتورية وتفشت في المجتمع، فلا يمكن أن ترتفع العادات المتسمة بالخلق الرفيع وتزدهر في ظل وضع تسلطي ديكتاتوري يعشعش في المجتمع.
وعند الحديث عن الديكتاتورية فإننا لا نعني الاستحواذ على السلطة فقط فهذا ليس إلا جانبا من الجوانب ولكننا نعني بصورة رئيسية ازدياد الحاجة في المجتمع التسلطي وانخفاض المستوى المعيشي وزيادة الفوارق بين البشر إلى الدرجة التي تدفع بالناس ورغما عن إرادتهم إلى الجنوح نحو بعض العادات السيئة من أجل لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة.
الديكتاتورية تمثل النقيض للديمقراطية ولكن في نفس الوقت فإن الديمقراطية ليست هي القول فقط والمشاركة في الحياة السياسية عن طريق صناديق الاقتراع والتعبير عن الرأي وغير ذلك من مقومات الحرية السياسية التي تعمل بعض النظم والمجتمعات على التباهي بتوفرها في مجتمعاتها ولكننا نعني أن الحرية والديمقراطية لا يمكن أن تكتمل في صورتها الإنسانية إلا إذا توفرت في المجتمع وللإنسان الذي يعيش فيه الحرية الاجتماعية مع الحرية السياسية حينها يحق للمجتمع أن يتباهى بمدى تطوره الديمقراطي وأنه مجتمع يمكن أن يقال عنه بحق إنه مجتمع حر وديمقراطي.
عندما تنعدم الحرية الاجتماعية تتكون صورة من صور الديكتاتورية حتى بوجود نوع من الحرية السياسية بل يمكن أن يكون انعدام الحرية الاجتماعية أشد من انعدام الحرية السياسية حيث كثير من المجتمعات تفضل أن تتوفر لها سبل الحياة الكريمة وانعدام الحاجة أكثر من توفر القدرة على التعبير والقول والمشاركة السياسية، ونحن هنا لا ندعو لواحدة بدون الأخرى فهذا أبعد ما يكون عن التفكير لأن المجتمع الحر في حقيقته هو الذي يتمتع بالحريتين معا ولكن القول بأهمية الجانب الاجتماعي في الحرية هو ارتباطه بالجانب الأخلاقي في أحد جوانبه والتي هي محور الحديث في هذه الزاوية السريعة.
انعدام الحرية الاجتماعية يعني تزايد الحاجة عند الإنسان واتسامه بالعوز وعدم القدرة على توفير الحماية الاجتماعية لذاته ولمن هم بحاجة لرعايته أو من يعيلهم، حينها يكون الإنسان مرغما أو مضطرا للتنازل عن بعض الصفات الأخلاقية ويهون عليه القيام بما لا يرتضيه لنفسه في أوقات أخرى بسبب الحاجة التي هو عليها فيمارس الكذب أحيانا ويمد يده أحيانا أخرى وقد يقبل الرشوة من الغير وربما تهون عليه سرقة ما ليس له ويسهل عليه في كثير من الأحيان التلفظ بألفاظ بعيدة عن الأخلاق وترتفع وتيرة الأعصاب عنده بسرعة غير طبيعية فيسهل عليه أن يتعارك مع الغير أمام الغير، ومع إن ذلك قد يحدث من قلة في المجتمع وليس من الجميع ولكنها تعطي صورة سيئة لأي مجتمع تتوفر فيه بل تسمه بتلك السمة لأن الأمور السيئة عادة ما تغلب على الأمور الحسنة، بل حتى مع وجود الوازع أو المانع الأخلاقي المرتبط بالجانب الأخلاقي إلا أنه يعجز كثيرا عن كبح جماح النزوع نحو اللاأخلاقية عندما تشتد الحاجة الإنسانية.
لو مر الواحد منا بخياله على بعض المجتمعات التي زارها أو ربما عاش فيها لفترة من الزمن فإنه حتما سيحس بالفارق بين مجتمع وآخر بناء على تطور ذلك المجتمع في الجانب الأخلاقي المرتبط بالجانب الاجتماعي أو القدرة الاجتماعية التي يمكن أن يكون عليها من يعيش في ذلك المجتمع وأن الأفراد في أي مجتمع والذين يتمتعون بقدرة مناسبة من الحرية الاجتماعية لا يكون لديهم الميل لخرق العادات الأخلاقية السليمة أو المتعارف على سلامتها.
لذلك قلنا سابقا ونقول باستمرار إنه لا حرية أو ديمقراطية بدون عدالة اجتماعية حيث لا تكتمل الحرية إلا بوجود الجانبين، الحرية السياسية والحرية الاجتماعية وقد أفلت شمس قوى كبرى لغياب إحداهما وستزول قوى كذلك لغياب إحداهما... والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .