من الذي يريد للحوار أن يدور في حلقة مفرغة وأن يدور المتحاورون فيه حول أنفسهم دون نتيجة أو قرار والآخرون ينتظرون بلا فائدة ما يمكن أن يسفر عنه ذلك الحوار مما يمكن أن يمد في عمر الجلسات إلى شهور طويلة يكون الخاسر الأكبر فيها هو صاحب المصلحة العليا في التوافق وإنهاء الأزمة ونعني به الشعب الذي لا شأن له بما يجري في الشارع من عنف وإجراءات تابعة لتلك الأعمال العنيفة.
هذه الأعمال لا يريد لها منفذوها أن تتوقف لأنهم يرون منها ورقة ضاغطة على المتحاورين تعيق انطلاق الحوار إلا بالطريقة التي يرونها وقد تعترض عليها أطراف أخرى ثم ترضخ أخيرا بسبب ما يحدث في الشارع وهو ما لا أرى حدوثه أو حتى إمكانية تحققه، لأن الحوار له قواعده وتداعياته وعناصر عديدة يعتمد عليها بعيدا عن أحداث مصاحبة ستخفت عندما تجد عدم جدوى استمرارها وتأثيرها السلبي على من يقوم بها.
لفترة طويلة وصلت إلى ثلاثة أشهر حتى اليوم تخللتها ستة عشرة جلسة حوارية تضم سبعة وعشرين متحاورا إضافة لفرق الدعم اللوجستي، جميعهم قضوا تلك المدة في مناكفات الهدف منها هو التعطيل وإطالة أمد الحوار لعل باقي الأطراف ترضخ لما يريده طرف من الأطراف مع أن كل ذلك مكشوف ومقروء بوضوح من قبل الجميع دون استثناء، لذلك استمر الحوار في بند رفع المخرجات وهو البند الذي تم التوافق عليه في الجلسة الثانية بتاريخ 13 فبراير الماضي ولكن احد الأطراف عاد إلى مناقشة البند على أمل تغييره إلى صيغة أخرى وجر جميع الأطراف الأخرى للدخول في هذا الحوار البيزنطي الذي لا يطرح جديدا بل يتم من خلاله اجترار الحديث نفسه دون تغيير ودون أن يطرح ذلك الطرف حلولا لما يتحدث عنه.
لذلك رأى باقي المتحاورون أنه حان الوقت لوقف كل تلك التعقيدات الحوارية والتمطيط غير المبرر كسبيل وحيد للدخول في مواضيع الحوار الأساسية التي جلس المتحاورون من أجلها والتي تمثل الأهمية عند المتابعين والمستفيدين من أية نتائج إيجابية يمكن أن يسفر عنها الحوار وهو ما يعني أن الاخوة ممثلي الجمعيات الخمس يصرون على منع المكاسب التي يمكن أن يجنيها الشعب من خلال تلك الجلسات التي يتحاور فيها ممثلوه السياسيون ويضعون العراقيل الواحدة تلو الاخرى لمنع الباقين من الدخول في صلب المواضيع التي يجلس الجميع من أجلها ومن أجل إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل التي يعاني منها المجتمع البحريني التي على الجانب الآخر تدفع بهذا المجتمع للجنوح نحو العنف ونحو التفتت أكثر مما هو عليه الآن في الوقت الذي ندعو فيه لمزيد من التوحد والتكاتف لتخفيف ما يعاني المواطن بسبب ما مررنا به منذ عامين ومازالت تداعياته مؤثرة حتى الآن.
القضية المهمة الأخرى التي لم تحسم حتى الآن والتي مثلت تراجعا من قبل الجمعيات الخمس عن توافق واضح تم بشأنها سابقا هي قضية تمثيل الحكم في الحوار مع أننا جميعا كنا قد توافقنا أن الحكومة تمثل طرفا أساسيا في الحوار وليس الحكم وكان ذلك التوافق قد تم بطلب واقتراح مقدم من الجمعيات الخمس ذاتها ولكن الاخوة عادوا في الجلسة التالية بطلب تغيير ذلك والقول بتمثيل الحكم وليس الحكومة وهو ما تم رفضه من الباقين وكنا قد تحدثنا عن أسباب الرفض في مقالات سابقة.
الحكم هو الراعي للحوار كما فهمنا جميعا وهو الذي من المفترض أن يكون المرجع الذي يعود إليه المتحاورون لتنفيذ ما توافقوا عليه، بالتالي لا يمكن أن يكون طرفا على طاولة الحوار، وهو كذلك الجهة الوحيدة التي يمكن أن يكون بيدها تسهيل تنفيذ تلك التوافقات إضافة إلى عدم وجود خلاف مع الحكم يدفع به لمحاورة الباقين حول تلك الأمور الخلافية، لذلك من المهم أن يكون الحكم على مسافة واحدة من الأطراف المتحاورة يحافظ على تعديل مسار الحوار لو رأى حياده عن الطريق السليم، إضافة إلى أن وجود الحكم في الحوار يفتح الباب على مصراعيه لتدخل غير وطني في قضية وطنية محلية وهي نقطة مهمة يجب على المتحاورين وضعها في الاعتبار وفهم ما يجري في الساحة... يتبع.