أولا وقبل كل شيء فإن العدو الصهيوني يعرف موقف ورأي الجمهور العربي بالذات تجاه أي عمل أو ممارسة يقوم بها في حق أي بلد أو مواطن عربي مسلم وهو الرفض البات غير القابل للنقاش والجدل والتبرير، فالجميع بلا استثناء لا يمكن أن يوافقوا على ممارسات ذلك العدو ومنها غارته الأخيرة على الأرض السورية أيا كان هدف الغارة سواء رتلا عسكريا كما يدعي قادة العدو ووسائل إعلامه أو كان موقعا بحثيا علميا كما تقول وسائل الإعلام السورية حيث إن ذلك لا يغير من الأمر شيئا عند المواطن العربي.
وقد توقف العدو الصهيوني منذ اندلاع الثورة الشعبية في سوريا عن القيام بأي فعل تجاه سوريا حتى قام بفعلته الأخيرة مما يعني أن الأمر بحاجة إلى فهم ومعرفة الدوافع وما إذا كانت كما يقول العدو أم إن هناك أمورا أخرى مخفية لا نعلمها ولكنها سوف تُعلم مستقبلا حين تخرج الأسرار، إلا أن معرفتها المستقبلية ستكون ربما بلا فائدة كونها أعطت المفعول المراد من ورائها وأدت إلى النتائج المطلوبة التي يراهن عليها العدو الصهيوني ومن يقف وراءه.
ليس من المنطقي القول إن العدو وجد الفرصة سانحة لتدمير ما يريد في سوريا بسبب الضعف الذي عليه النظام هناك جراء الحرب الدائرة على الساحة السورية لأن العدو لم يتوقف عن القيام بجرائمه على سوريا وغير سوريا منذ أن وجد على الأرض قبل خمس وستين عاما من الآن وجميعنا نذكر غارته على ما ادعى انه موقع نووي سوري والرحلات الجوية العسكرية التي يقوم بها سلاحه الجوي على سوريا ولبنان دون أن يلاقي من يرد عليه ولو بطلقة رصاص من بندقية، وبالتالي فإن تبرير ضعف النظام بسبب الحرب الداخلية ليس له وجود في المنطق حاليا ثم لا يستطيع أيا كان القول بأن ما يحصل يمثل دعما لموقف الثورة السورية وتعجيل بسقوط النظام لأن الثورة ومنذ سنتين لم تلق دعما حقيقيا من جهة من الجهات التي وقفت تتفرج على قتل الشعب السوري لبعضه بعضا مما يدفع إلى محاولة قراءة الواقع ومعرفة حقيقة الأسباب التي أدت إلى قيامه بمواصلة جرائمه على الأمة.
السبب الواضح لعدم الوقوف مع الثورة من قبل الغرب هو الخوف من انتصارها وما يمكن أن يعقب ذلك الانتصار من تغيير على الساحة الشامية بالنسبة للموقف من العدو الصهيوني ويعلم الجميع أن السياسة التي اتبعت منذ البداية هي ترك كل طرف للآخر بل ربما تزويد الطرفين للسلاح وبطرق ملفوفة لزيادة أوار الحرب وإنهاء كل طرف للآخر، والنتيجة الحتمية هي خروج وطن سوري ممزق ضعيف لا يقوى على قول لا للأطراف الأخرى القوية، من هنا يمكن التخمين ومحاولة فهم السبب الحقيقي وراء العدوان وهو الوقوف مع النظام السوري الحالي الذي مارس حماية العدو على جبهة الجولان العربية السورية وذلك بإيجاد متغير في الحرب الدائرة هناك والإيحاء بأن الغارة تخدم الثورة السورية وان الثورة تبارك تلك الغارة عن طريق تزييف بعض البيانات باسم الثورة وقيادتها وما أسهل تزييف البيانات والنتيجة هي كسب التأييد للنظام السوري من قبل الساحة العربية المساندة حاليا للثورة.
تبين للعدو أن الثورة صمدت طوال الفترة السابقة مع شح الدعم العربي والخارجي عنها وأنها في طريقها لتحقيق النصر على النظام مما يستدعي من العدو الصهيوني القيام بحركة تطيل من عمر النظام، فالعدو كما قلنا يعي جيدا موقف الشارع العربي منه ومن تحركاته ويعلم أن الجميع سيقف مع من يحارب ذلك العدو لذلك فالقيام بقصف العدو لمناطق سورية حاليا قد يقلب الطاولة ويدفع بالإنسان العربي الداعم للثورة للتفكير من جديد في رفضه للنظام والقول بدعمه في مواجهة النظام الحالي ولو بصورة مؤقتة.
لا يمكن توجيه اتهام للنظام في سوريا بمعرفته السابقة بشأن الغارة ولا القول بوقوفه مع العدو ولكن على الجانب الآخر لا يمكن أن يغيب عن الفهم أن تلك الغارة تصب حاليا في صالح النظام وليس في صالح الثورة، ولكن ما يجعل المواطن العربي متذبذبا هو عدم صدور موقف واضح من قبل الثورة في سوريا حول العدوان الصهيوني الجديد ولمن يريد الفهم فالثورة السورية لا تملك قيادة واحدة على الساحة بل قيادات متعددة بل ومختلفة مما يسهل على الآخرين الولوج إليها وتزييف موقفها وضرب هذا بذاك.
الجميع ونحن منهم لا يمكن أن نبارك هذا العدوان بل الموقف منه هو الرفض الكامل والتام دون النظر إلى نوع النظام، فنحن جميعا مع سوريا ضد العدو الصهيوني دون التفكير في هذا النظام أو ذاك وعلى الجانب الآخر نحن مع الشعب السوري في سعيه للحرية والكرامة والمستقبل... والله أعلم.