كلما ارتفعت مطالب وطنية في حراك شعبي أو فاعل سياسي فإنها ترتبط بطلب مهم يمثل مبدأ رئيسيا في تلك المطالب ألا وهو مبدأ الفصل بين السلطات وهو من أهم المبادئ التي توصل إليها الفكر الإنساني في الجانب السياسي الاجتماعي ويهدف منه إلى خلق نوع من التوازن بين السلطات الرئيسية في المجتمع مما يجعل تعامل المواطن معها أسهل وأسلم.
والفصل بين السلطات الثلاث في أي مجتمع يقوم على عدم خضوع أي منها للأخرى أو هيمنة سلطة من السلطات على السلطات الأخرى كأن يكون للسلطة التنفيذية اليد الطولى وهي التي تسير عمل السلطة القضائية والسلطة التشريعية، وفي هذه الحالة لا يكون للممارسة الديمقراطية معنى بل لا تكون هناك ديمقراطية حقيقية بل يتحول المجتمع إلى الديكتاتورية المقنعة بالديمقراطية، لذلك توصل الفكر البشري بعد صراع طويل بين مختلف السلطات إلى مبدأ الفصل بينها كي يستقل قرار كل منها عن هيمنة الأخرى ويضمن المواطن بالتالي وجود سلطة يمكن أن يلجأ إليها لو استبدت به سلطة أخرى، أي لو سلب له حق من قبل السلطة التنفيذية يمكنه اللجوء للسلطة القضائية – إن كانت مستقلة حقيقة – لتعيد له ما سلب منه.
يعرف الجميع أن الفصل التام بين السلطات الثلاث يمكن أن يصل إلى الاستحالة الفنية حيث من الصعب بل من المستحيل أن تستقل كل سلطة عن باقي السلطات في جميع أمورها ولكن على أقل تقدير يمكن التوصل إلى عدم هيمنة إحداها على الأخرى والتوصل كذلك إلى جعل قرار كل منها مستقلا استقلالا حقيقيا بحيث لا تتدخل سلطة من السلطات في قرار الأخرى.
في مجتمعنا العربي والخليجي منه بالذات يمكن ملاحظة أن ذلك الاستقلال لم يأخذ مكانه في الواقع حتى الآن خصوصا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حيث نجد نوعا من الهيمنة المباشرة أحيانا وغير المباشرة في الكثير من الأحيان من قبل السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية إلى درجة تمكن السلطة التنفيذية من إيصال من يخدمها تشريعيا ليكون عضوا في السلطة التشريعية وتضمن بذلك عدم استقلال السلطة التشريعية وعدم قدرتها على مقارعة السلطة التنفيذية في القرار وعدم وقوفها في وجه أي مشروع أو قرار تتجه إليه السلطة التنفيذية.
تستطيع السلطة التنفيذية – أو الحكومة كما هو معروف – أن تضع في البرلمانات العربية من تريد إما بالتلاعب في الانتخابات والدوائر الانتخابية وتقسيمها بالطريقة التي تخدم التشكيلة المطلوبة للبرلمان وتخلق بالتالي سلطة تشريعية بالاسم فقط ولكنها فعليا تمثل إدارة تابعة للسلطة التنفيذية تأتمر بأمرها وتنفذ إرادتها سواء في التشريع أو في الرقابة لا يهم والخاسر الأكبر في آخر الأمر هو المواطن الذي تم استخدام إرادته وتغييرها لصالح فئة تهيمن على القرار في الدولة.
ومما يزيد من خطورة هذا الأمر هو هيمنة السلطة التنفيذية على المال بسبب عجز السلطة التشريعية عن الرقابة ويكون هذا المال بمثابة القوة الضاغطة التي تستخدمها الحكومات العربية وتخلق بين قوتها كحكومة وقوة المال الذي بحوزتها تحالفا مناهضا لإرادة الجمهور ومزيفا لتلك الإرادة بل سالبا لها حين يتم تشكيل السلطة التي من المفترض أن تمثل إرادة ذلك الجمهور بطريقة مناهضة لتلك الإرادة وبطريقة خادمة للسلطة التنفيذية وليس للجمهور صاحب الحق في جميع السلطات كما تقول الدساتير العربية بمجملها تقريبا. العضو البرلماني في هذه الحالة يتحول إلى موظف طامع وليس قانعا، طامع للمزيد من المكاسب الشخصية على حساب المكاسب المجتمعية العامة وهو أمر اعتادت عليه الجماهير العربية وهو واضح بجلاء ولا يريد برهانا بدليل تحول بعض البرلمانيين العرب إلى أصحاب ملايين وأملاك... أليس ذلك هو الواقع.