حين يبادر الإنسان المواطن إلى عمل توكيل لإنسان آخر فإنه بهذا التوكيل يريد من الطرف الآخر السهر على مصالحه والقيام بما لا يستطيع هو القيام به لأي سبب من الأسباب ولكن بما يمثل مصلحته وليس بما يزيد متاعبه ويقيد حركته ويفقده حريته وقدرته على الحركة وإلا فليس هناك فائدة من عمل التوكيل وعلى الإنسان القيام بجميع المهام دون توكيل ودون وسيط بينه وبين الحاجة التي يريد القيام بها.
ولكن المشكلة تكمن في أن الأعمال يجب أن تكون مقسمة ولا يوجد إنسان يمارس جميع الوظائف والمهام ولا يمكن أن يكون الجميع وزراء في السلطة التنفيذية أو رؤساء في الدولة ولا أن يكون الجميع نوابا في السلطة التشريعية بل الأعمال مقسمة بين البشر كل يؤدي دوره ويمضي ولكن الكثير من الأدوار يمتد أثرها للغير وللمستقبل ومن تلك الأعمال ما تسنه السلطة التشريعية في أي مكان من تشريعات يمتد أثرها لأجيال قادمة.
عندنا السلطة التشريعية الممثلة في المجلس النيابي يبدو أنها منفصلة انفصالا تاما عن المواطن الإنسان بل نراها تعمل بصورة مضادة لحاجاته ورغباته وكأن النواب وجدوا في أماكنهم لإغاظة هذا المواطن والتنغيص عليه في حياته ولا نرى لهم حتى اليوم وبالذات المجلس الحالي أي أثر إيجابي حقيقي على معيشة المواطن.
الزيادة التي يمكن أن تخفف قليلا على المواطن حيث إن الزيادات عندنا تدفع بالقطارة ويتم تقليمها من عدة جهات قبل أن تصل للمواطن، هذه الزيادة التي أوجعوا رؤوس البشر عليها وهددوا وتوعدوا نجدهم وبصورة مفاجئة تخفت أصواتهم دون تبرير أو تفسير لهذا الخفوت ويبحثوا عن التبريرات لخضوعهم لمشيئة السلطة التنفيذية وكأنهم (كما يعتقد المواطن) قد تلقوا تعليمات ولو بصورة غير مباشرة بتغيير الموقف والرضوخ للقرار التنفيذي، وحتى الآن يقع النواب بين نارين ولا علم لنا بما قد يقدمون عليه في الجلسة القادمة وإن كانت المؤشرات تفيد بانتفاء النتيجة الإيجابية التي يرنو لها المواطن المذنب الأول في تشكيل المجالس منذ البداية.
ولكن هل يمكن ان يكون المجلس التشريعي المنتخب مخالفا ومضادا وبصورة فجة كما نراه اليوم من مقترح بفرض تأمين على المسيرات يصل إلى عشرين ألف دينار وكأن الجمعيات السياسية المختلفة تحولت إلى بنوك تسيل منها الأموال في كل مكان ولا تعرف أين تنفق الفوائض لديها، هل من المنطقي أن مؤسسة لا تملك ألف دينار يمكن أن تدفع 20000 دينار كتأمين وعلى ماذا؟، على ممارسة المواطن المنتمي لها في التعبير عن رأيه في تطبيق لمبادئ دستورية متوافق عليها. عندما بدأت الممارسة الديمقراطية في أوروبا حاولت الأنظمة حينها التضييق على المواطن وفتح الباب للكبار ففرضت أن يكون المرشح من المالكين لمقدار من المال أو العقار أو من الدافعين لضرائب محددة، بمعنى أن تلك الأنظمة كانت تريد اقتصار العضوية في السلطة التشريعية على الكبار لأنهم مرتبطون بمصالح معها ولن يخرجوا عن الطوق، فهل تريدون العودة إلى الوراء؟، فهل يريد السادة (النواب) أن تقتصر المسيرات على الكبار الذين يملكون المال ولهم موارد أخرى غير معروفة لدينا أم ماذا؟، وهل وصلت بكم البجاحة إلى النكوص على التوكيل الذي أعطاكم إياه المواطن لتعملوا على التضييق عليه بهذه الصورة؟ وهل أنتم ممثلون للمواطن أم لجهة أخرى نجهلها؟ وهل مهمة السلطة التشريعية كتم أنفاس المواطنين أم أن واجبها هو التفريج عنهم؟.
المشكلة ليست هنا ولكن المشكلة تكمن في المثل المصري الشائع الذي يقول «القط يحب خناقه» مع حفظ المقامات ولكنه مثل يقال عندما يعمد الإنسان إلى مساندة من يضيق عليه ويسيطر عليه وهو ما سنراه العام القادم حين يعاد انتخاب الكثير من النواب الحاليين الذين لم يقدموا شيئا مفيدا للمواطن بل كل ما فعلوه هو معاكسة رغبات الناس... والله أعلم.