دخل العراق في سبات طويل بعد أن تكالبت القوى المختلفة والمتناقضة في نفس الوقت على الثورة الشعبية التي انطلقت بعد الاحتلال الأميركي الغربي للأرض العراقية منذ عشر سنوات، واستطاعت قوى التخلف والاحتلال التغلغل في جسم الثورة عن طريق ما سمي حينها بالصحوات لتضرب الثورة من داخلها وإضعافها أو دفعها للكمون داخل الرحم الشعبي في انتظار الوقت المناسب للعودة إلى التحرك من جديد.
حين بدأت الثورة العراقية ضد الاحتلال الأميركي والغزو الإيراني كان لها ولا يزال المد الشعبي العربي وتمكنت من أن تضع قوى الشر المتمثلة في القوات الأميركية البريطانية والمليشيات الحزبية التابعة لإيران والأدوات الإيرانية الأخرى التي تربعت على قمة الهرم السياسي حينها، استطاعت أن تضع كل تلك القوى المتحالفة في وضع حرج بسبب تمدد الثورة وقدرتها الميدانية على التعامل مع عدوها وعدو الأمة العربية، إلا أنه وبسبب دخول بعض القوى المتطرفة في قوى الثورة المختلفة تمكنت القوى المضادة من تقليص منابع الثورة بحرمانها من المدد وتأليب الدول المحيطة ومع ذلك استطاعت الثورة المواصلة بدعم القوى الشعبية في الداخل بها إلى أن توصلت قوى الاحتلال إلى ضرب تلك الثورة بقوة عن طريق عملائها ممن أطلق عليهم زعماء الصحوة مستغلة العناصر المتطرفة داخل الثورة.
ولكن يبدو أنه مع الوقت وهن وتضاءل ذلك التبرير ووهنت معه عناصر قوى التطرف داخل الثورة خصوصا بعد اشتعال الثورة السورية وبدأت عناصر القوة في جسم الثورة العراقية تنمو وتشتد من جديد وبدأت هذه الثورة في إعادة تشكيل ذاتها بطرق ووسائل مختلفة، مستفيدة من الحراك الشعبي الذي عم وطننا العربي الكبير وبدأت في التحرك السلمي السلبي عن طريق الاعتصامات التي وصلت إلى ما يشبه العصيان المدني في بعض المناطق، ولكن فيما يبدو فإن رجل الغرب وإيران وحزبه التابع له لم يفهم كل منهم معنى الحراك الأخير وربطاه بالتحرك الشعبي العربي وحاولا الاستفادة من نتائج ما حدث في الدول العربية الأخرى للتعامل مع ما يحدث في العراق محاولين تجاهل الاختلاف والتباين في الدوافع والأسباب التي تميز الوضع في العراق عنه في الأماكن الأخرى.
محاولة نوري المالكي أو جواد المالكي حيث يقال إن ذلك هو اسمه الحقيقي، محاولته العودة للمجازر والتصفيات العرقية التي مارسها لسنوات طويلة وقبل ظهور ما سمي بالصحوات أدت به إلى الدخول في مواجهة شعبية وزج الجيش العراقي المطأفن حاليا في أتون السياسة بسبب امتناع قوى الأمن المحلي من الدخول في مواجهة مع الحراك الشعبي، بل ربما دخل كثير من عناصر قوى الأمن داخل ذلك الحراك، إدخال الجيش في تلك السياسة سيمثل احد عوامل التمزيق المستقبلي القريب لتلك القوة التي من المفترض أن تكون عامل حماية للشعب وليست أداة قتل له كما يريدها المالكي الذي عمل على تكوين جيش قائم في الأساس على مليشيات طائفية تتبع قوى تحمل الهوية الفارسية وليس العربية.
لذلك فإن الجيش العراقي لن يستمر طويلا ممثلا لقوة واحدة متماسكة تتبع أوامر الولي الفقيه التي يسير خلفها المالكي متشحا بلباس دولة مدنية هي في الحقيقة أبعد ما تكون عن الوضع الحالي في العراق كما هي الديمقراطية التي يتغنى بها والمفقودة في حقيقتها حاليا على الساحة العراقية التي هي في حقيقتها دولة دينية طائفية بكل ما تعنيه الكلمة.
بالمجزرة التي قامت بها قوات جيش المالكي في الحويجة سقط ساتر الديمقراطية الذي استخدمه المالكي ومن سبقه والغرب الأميركي لإخفاء ما يحدث في الداخل وهو الساتر الذي روجوا له لتغطية الحقيقة الواضحة عند كل متابع ومراقب لما يجري في العراق من وأد لتلك الديمقراطية وفساد لا حدود له ونهب للمال العام لا يتوقف وعزل لمكون أساسي في العراق بتحالف كردي شيعي غربي برعاية فارسية وخونة الأمة الذين استفادوا مما يحدث مع بعض عناصر الإخوان المسلمين في العراق الذين اعتقدوا كعادتهم أنهم سيستفيدون شخصيا وتنظيميا مما جرى هناك وأثبتوا مؤخرا حجم الجريمة التي ارتكبوها في العراق بدخولهم في العلمية السياسية التي مارسها الاحتلال الأميركي الفارسي.
هذه المجزرة ستمثل الشرارة التي تشعل العمل الثوري الحقيقي في العراق وستكون عاملا إيجابيا في الثورة مع إن المالكي أرادها عامل إرهاب يزرع الرعب في نفوس المعتصمين الذين سيتحولون إلى ثوار ولكن الأهم من كل ذلك هو الموقف العربي المحيط بالعراق حاليا والنائم في الحضن الأميركي لا يأتمر إلا بما يقوله ذلك السيد، هذا المحيط عليه أن يشب عن الطوق ويعود إلى دعم الثورة فأفغانستان السبعينات ليست أهم من عراق القرن الواحد والعشرين وعلى المتحركين في كل مكان لدعم الثورة السورية أن يضعوا معها الثورة في العراق ويبسطوا لها امتدادا شعبيا إيجابيا... والله أعلم.