عوامل التآثير السياسي تكاثرت عندنا في الآونة الآخيرة ودفعت بالكثيرين للدخول في السياسة والتحليل السياسي من يفهم ومن لا يفهم، من يعي ومن يحاول ان يعي، والنتيجة ان الكثيرين ممن آمسكوا بالقلم آضحوا بين ليلة وضحاها من اصحاب الفكر السياسي وممن يدلون بدلوهم ونصائحهم للآخرين وكآنهم آصبحوا آوصياء على آلئك الاخرين ومسئولين عن الوطن بما فيه.
حالهم كحال من امتهن مهنة الافتاء الشعبي بعد آن يقرأ كتابا في الفقه او يحفظ عدد من الآحاديث النبوية الشريفة وعدد من ايات القران الكريم فيغدو بعدها من الفقهاء الذين عليهم قيادة الآمة وتوزيع الفتاوى الدينية هنا وهناك بعد أن آصبحوا من آصحاب العلم، لذلك ما إن يقرأ أحد كتابا او يحضر اجتماعا آو تهيئ الصدف أو الحظ أو القرب موقعا في مكان ما حتى يتحول بقدرة قادر إلى وصي على الشعب وقواه الممارسة للعمل السياسي ويوجه تللك القوى ومعها الشعب ألى ما عليهم آن يفعلوه آو يوجه النقد اللاذع لأي حركة سياسية يريد او يعتزم من مارس العمل السياسي لسنوات طويلة الولوج فيه مع آن معظم أولئك (المتسلقين سياسيا) لا يرون في السياسة إلا ما هو تحت آقدامهم فقط ويفتقدون البعد في الرؤية والتحليل لأن المخزون لديهم يحمل صورة واحدة أو وجها واحدا ولا تستطيع تلك الصورة أو ذلك الوجه أن يكشف عمق أو مقصد التوجهات السياسية الفعلية لدى الغير لأنه لا يفهم حقيققة ما يريد ذلك الغير آن يهدف إليه من خلال تحركاته والغايات التي يهدف اليها.
نحن نعيش هنا وفي الوطن العربي الكبير تقلبات سياسية ووطنية غاية في التعقيد ولها امتدادات قديمة ومتشعبة تحتاج من كل متابع أو من يريد امتهان العمل السياسي أو التحليل السياسي ان يقرأ ما بين السطور وماتحتها وما لم يرد فيها ومن الذي خطها وما يمثله ذلك الخطاط الذي خط تلك السطور كي يستطيع آن يعي ما يحدث ويحدد الوجهة التي تبين له الطريق الأسلم والأنجع وتجعله قادرا على تقديم فكره ونظرته التحليلية (العميقة) التي يفيد بها من يمارس ذلك العمل حقيقة ويقدم له النصح اللازم والمفيد أما أن ينصب من نفسه وصيا على الآخرين دون آن يكون له تواصل معهم يفهم من خلاله تحركاتهم والغاية منها ولماذا أقدموا عليها فإن ذلك لايعدو إلا حرثا في الماء لا يقدم ولا يؤخر ولا يستفيد منه العامل والمراقب معا.
ممارسة العمل السياسي والتحليل السياسي ليست قراءة كتاب في الفكر أو في نظرية سياسية معينة أو البحث في بعض الأفكار والنظريات السياسية فقط بل هي فوق ذلك وقبله ممارسة عملية وميدانية لذلك العمل مقرونة بالعمل التنظيمي المصاحب لأي عمل سياسي وهو كذلك خبرة تمثل تراكمات متنوعة ومتعددة ومخالطة للأفكار المتباينة وتلاقح لتلك الأفكار والاختلاط بحامليها وفهمهم والاطلاع على تجارب الآخرين وغير ذلك من مقومات العمل السياسي وهي ليست كتابة مقال أو بحث آو قصة ما في وقت من الآوقات.
العمل السياسي يهدف إلى مصالح وطنية عليا ولكن المشكلة تكون عندما يعتقد الواحد منا أنه وصل إلى موقع أو مكانة سياسية معينة يستطيع من خلالها الحكم على الغير وعلى تلك المصالح الوطنية متناسيا ومتجاهلا أنه في هذا الموقع أو تلك المكانة ليس بقدراته الذاتية ولكن تم إيصاله لها لأسباب أخرى وعوامل بعيدة عن السياسية والعمل السياسي وتشتد المشكلة وتشعب حين تختلط الأمور علينا وتختلط معها المصالح وتتقاطع الذاتية منها مع الوطنية ويرى البعض منا خطأ ما نقوم به هو في خدمة الوطن والإنسان مع أنه في حقيقته يصب في مصالح فردية وليس أكثر وذلك بسبب الضبابية التي تحجب الرؤية الوطنية الخالصة للأمور.
في مثل هذه الحالات يكون التجرد الوطني أمرا صعبا يصل إلى الاستحالة في بعض الأحيان مع أن التجرد من أهم المقومات التي يقوم عليها التحليل السياسي والتقييم للأعمال التي يقوم بها الآخرون. والله أعلم.