“رحم الله امرئ عرف قدر نفسه” مقولة تحمل من الحكمة ما تحمل وقد قالها الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز حفيد الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه والذي نهل من جده وتاريخ جده الكثير مما وضعه في مصاف معيار العدل والعدالة في تاريخ البشرية، وقد قال تلك المقولة أو الحكمة بحق ابنه الذي حاول أن يشتري أو اشترى خاتما بألف دينار فأجبره على بيعه وشراء خاتم بدينار ويكتب عليه تلك المقولة لتردعه عن محاولة الترفع على البشر وتمييز نفسه عنهم.
والعدالة ومعها المساواة اللتان سادتا عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتوقفت بوفاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولكنها عادت لفترة بسيطة جدا لا تتعدى عامين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، هذه العدالة ومعها المساواة توقفتا من بعد ذلك العهد وتنامت بتضاؤلهما نقائض العدل والمساواة في الأنظمة البشرية حتى يومنا هذا دون تمييز بين هذا النظام أو ذاك حيث لا يوجد نظام عادل في عصرنا الحالي بالرغم من كل المقولات والدعوات المنادية بهما وبحقوق الإنسان المنتهكة أينما نولي وجوهنا فكل تلك المقولات لا تعدو حق يراد به باطل.
كل من يتاح له المجال للحديث نراه يتحدث وبصورة مسهبة عن ضرورة أن تسود العدالة بين البشر وبالذات أولئك الذين يملكون القرار وبيدهم تطبيق جزء من العدالة والمساواة بين البشر ولكنهم ما إن يملكوا القرار حتى تنمو نقائض وهواجس العدل والمساواة بداخلهم وتنمو تبعا لها مفاهيم أخرى تفرش لهم ارض الفساد والتمييز وتجعل منهما أساسا للحكم ومنهجا يسيرون عليه وتتحول عندهم العدالة إلى ظلم بين والمساواة إلى تمييز بين البشر وتظل المساواة محصورة فقط في من بينهم وحولهم أو من يفهم لغة النفاق التي يجهلها الإنسان الطبيعي.
عندما تحدث سيدنا عمر عن مسؤوليته تجاه تعثر بغلة في العراق وهو في المدينة التي تبعد مئات الأميال عن العراق، عندما قال ذلك لم يكن في قوله نوع من المبالغة أو صورة من صور التعبير والمجاز بل كان صادقا فيما قال، ولم يكن يعني بحال من الأحوال تطبيق تلك العدالة وإزالة الظلم الذي يمكن أن يقع على الحيوان وليس الإنسان فقط بيده مباشرة ولكن بيده البعيدة غير المباشرة أي باليد التي يضعها مسؤولة عن ذلك البلد البعيد، وهذا هو احد جوانب العدالة والمساواة التي نتحدث عنها والتي هي في جزء منها قضية اختيار من ينوب عن المسؤول في المجالات المختلفة وبالذات التنفيذية منها والتي تتعامل بصورة مباشرة مع الآخرين من المواطنين.
هذا الجانب هو المفقود عندنا والمستبدل بالمنحنين والناظرين للأسفل فقط وبلا معايير حقيقية تجعل من المكان والموقع أداة إنتاج مفيدة وينطبق ذلك على كثير من المواقع التي يكون مؤهلا من يتربع عليها هو الاسم والعائلة بلا تاريخ ولا قدرة على جعل المكان كما يراد له وكما من المفترض أن يكون عليه.
هذا المجال هو أحد المجالات التي يمكن أن ينطبق فيها مبدأ فقدان العدالة والمساواة بين البشر حين يفقد الموقع أو المنصب من هم قادرون على رفعه ويحصل بدلا منهم على من ينزله إلى أسفل المواقع والدرجات والمحصلة الأخيرة لكل ذلك هو المزيد من الخسائر للمستفيد مباشرة وبصورة غير مباشرة من ذلك الموقع أو المنصب ونعني به المواطن.
يبدو أننا ننظر من خلال ضباب أو بدون نظارة طبية تجعل الصورة أكثر وضوحا وأقرب للفهم ونعتقد مخطئين أن التجرد هو أساس العمل عندنا وأن العدالة هي المعيار ولكن الحقيقة التي تزداد يوما بعد يوم تثبت أن ذلك فهم نظري مجرد، لا يمت للحقيقة بصلة وأن من الواجب علينا محاولة فهم الصورة كما هي عليه وليس كما يجب أن تكون، وما هي عليه يحمل عدم المساواة وانتفاء العدالة أما ما يجب أن تكون عليه فيحمل ترسيخ العدالة والمساواة المفقودتين... والله أعلم.