ما نعرفه ونتطلع إليه هو سقوط النظام الحالي في سوريا وتحول هذا القطر العربي الكبير إلى دولة ديمقراطية حقيقية يكون فيها للإنسان دور وطني مطلوب من الشعب في سوريا يشارك من خلال ذلك الدور في حكم البلاد ويمارس حقه في التعبير عن آرائه دون أن يلتفت يمنة ويسرة يبحث عن مخبر قد يسجل عليه ما يقول بل يتحدث علنا، ويكون فيها المواطن مواطنا من الدرجة الأولى دون تمييز بين دين هذا أو ذاك أو مذهب هذا أو ذاك أو علاقة هذا بالغير وانعدامها عند ذاك، بل المواطنون جميعا دون استثناء سواسية يستطيع أي مواطن منهم تقلد أي منصب في الدولة إن كانت لديه الكفاءة واختاره الشعب عن طريق مؤسساته لذلك المنصب، وغير ذلك من مقومات الدولة الحديثة التي تتسم بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر على العكس من وضعها الحالي المنعدم فيه كل تلك المقومات الاجتماعية.
بل إن ذلك ما نتمناه لجميع المواطنين العرب في وطننا العربي الكبير وهي المقومات التي لو حدثت واستقرت في هذا الوطن لما وقفت عوائق وحفر في طريق وحدته وقوته واستعادته لحقوقه المنهوبة من الغير ومن المحيطين به، ولكن ذلك لا نريد له أن يحدث في سوريا على حساب الشعب والدولة بل إنه لن يحدث حين يخسر الشعب ذاته ويخسر الوطن مقوماته ووحدته وتتصارع قوى الوطن ومكوناته فيما بينها بعد إسقاط نظامه الحالي وتعمل على تمزيق الأرض إلى كانتونات متناحرة، هذا وضع لا نتمناه لأي جزء من أجزاء هذا الوطن العربي الكبير لأنه يجعله يسير في عكس اتجاه التاريخ.
هذا يجعلنا نتساءل عن الدافع الذي كان وراء دعوة جزء من المعارضة في سوريا والعاملة خارج الأرض وهذا أمر لا نعترض نحن ولا غيرنا عليه – أي العمل من خارج الأرض – لأنه كان مفروضا على الشعب السوري والكثير من أجزاء الشعب العربي، دعوتها لتأخذ مقعد سوريا في القمة العربية الأخيرة، هذا قرار لا نعتقد بصوابه بالطريقة التي حدث بها وإن كان من ناحية أخرى إيجابيا بالنسبة إلى تسريع سقوط النظام أو محاصرته، وهذا ليس تقليلا من قدر الوفد الذي أخذ المكان وله الاحترام عند الجميع ولكن كنا نتمنى أن يكون مقعد سوريا شاغرا في القمة في تعبير واضح عن رفض النظام العربي لما يحدث في سوريا وليس تعبيرا عن انحياز النظام العربي لجانب من المعارضة السورية وليس للمعارضة بكاملها أو الشعب بكامله.
ما نعرفه أن المعارضة لها مكونات متعددة وهي ليست على رأي واحد وإن كنا ومازلنا نتمنى أن يتوحد الرأي والقرار وبالتالي الموقف عند المعارضة في سوريا مما يدفع الآخر للتعامل مع جهة واحدة يثق في تمثيلها الموحد للشعب السوري، هذا التعدد عند المعارضة بين الداخل والخارج أو بين التيارات المختلفة والمتباينة يجعل من تمثيل الدكتور الخطيب في المؤتمر منقوصا بحق الشعب السوري وبحق المعارضة جميعها كذلك، نقول ذلك بالرغم من دعمنا وتوافقنا مع ما جاء في كلمته في القمة التي أطلقت من موقف معارض وليس من موقع السلطة التي منحت له في المؤتمر، ولكن لو أعطي الائتلاف الحق في تمثيل الشعب السوري والمعارضة السورية فسيسأل الآخرون في الداخل والخارج عن الدافع وراء ذلك ومن هي الجهة التي تحرض على ذلك وتدفع في اتجاهه وتصر على أن يكون الائتلاف هو الممثل الرسمي للشعب السوري خارج السلطة.
المشكلة الانجراف وراء هذا التوجه والدعوة إلى أن يحتل الائتلاف السفارات السورية في الخارج وطرد السفراء الحاليين، ونحن لا نعترض على طرد السفراء الحاليين ولكن لا نرى في إعطائها لجزء من المعارضة حاليا بل تظل شاغرة حتى يسقط النظام وتقوم حكومة وطنية في سوريا أو تتوحد المعارضة بكافة مكوناتها في الخارج والداخل وتتوحد القوة العسكرية التي تقاتل في الداخل تحت راية واحدة تتبع القرار السياسي الذي تراه المعارضة الواحدة، عندها يكون من الصحيح أن يحتل ممثلو المعارضة المواقع الرسمية السورية في خارج سوريا.
ما يحدث الآن وما يدعو له البعض في الدول العربية المختلفة لفرض هذا الجزء من المعارضة السورية - حتى ولو كان أغلبية وهو ليس كذلك - على الشعب السوري ان يحمل في جنباته الحكم اللاديمقراطي الذي نراه قادما إلى سوريا ويساهم في ذلك الداعون لما يحدث الآن فقط لأن المهيمن على الائتلاف هو تيار واحد يراد له الهيمنة على الدولة السورية رغما عن الشعب السوري.
ما الذي سيحدث لو تمكن الجيش الحر وفصائل المقاومة السورية في الداخل من إسقاط النظام بقوة السلاح ورفضت هذه القوى التعامل مع الائتلاف أو رفضت تنفيذ ما يدعو له، هل ستتخذ القمة العربية موقفا آخر مغايرا أم أنها سترفض الاعتراف بالنظام الجديد قبل أن يبدأ؟.
الموقف الصحيح هو دعم المعارضة السورية في الداخل والخارج بكافة مكوناتها دون تمييز والعمل على سقوط النظام دون انحياز لطرف على حساب الطرف الآخر وبعد سقوط النظام يساهم النظام العربي – إن كان قادرا – على إرساء الأسلوب الديمقراطي في الدولة السورية وتمكين الشعب السوري من التعبير عن رأيه الحقيقي لاختيار من يمسك بالقرار في بلده وبصورة ديمقراطية وليس ديكتاتورية مستنسخة كما نرى في دول عربية أخرى... والله اعلم.