هي لغة كاملة تستوعب كل جديد ونشرت قوتها وسيطرتها على الكثير من اللغات وهي تتفوق على غيرها من تلك اللغات في تمكنها من التعبير وبمختلف الوجوه عن كل ما يصادف الناطقين بها، فمن يتحدث بهذه اللغة الجميلة يستطيع وصف ما يدور بخلده بكل بساطة وجمال وبتعبيرات متعددة لا تستطيع لغة أخرى على ما نعلم مجاراتها – أي اللغة العربية – في هذا المجال، ولكن مع كل أسف لدينا في وطننا العربي الكبير من يرى بغير ذلك ويعتقد مخطئا أن التعبير بهذه اللغة يعني التخلف في حين أن استخدام لغات أخرى كالانجليزية أو الفرنسية وسيأتي يوم تكون فيه الصينية كذلك هو التطور والتمدن وأن من يتحدث بلغات أخرى يكون جاذبا للغير والحقيقة غير ذلك.
لا توجد علاقة طردية بين التمدن والتقدم من جهة واللغة المستخدمة في التعبير من جهة أخرى بل يمكن في بعض الأحيان أن تكون هذه العلاقة عكسية حيث إن التقدم له أوجه متعددة وهو ليس مالا أو مظهرا أو وظيفة مرموقة أو استخدام وسائل تكنولوجية معينة أو غيرها من تلك الأمور القشرية التي يركض خلفها البعض منا ويرى فيها التطور والصورة التي يريد أن يراه الآخرون عليها، لذلك يمكن القول إنه في بعض الظروف تكون مظاهر التقدم أو الجري وراء تلك المظاهر يمثل انتهاكا للغتنا العربية وتجاوزا لها ليس لضعف في اللغة أو عجز من قبلها بل يكون ذلك بسبب عدم قدرة من يستخدمها على فهمها وربما بسبب التربية التي نشأ عليها والتي تحمل نظرة غير منصفة لهذه اللغة الجميلة.
قد يعذر محبو لغتنا العربية أو يجدون عذرا لكل من لا يفهم قيمة لغتنا العربية ويصر على التفاهم بلغة أخرى يعتقد أنها أسهل في التخاطب والتفاهم إذا كان المستخدم لا يحمل ثقافة – ولا نقول معرفة أو علم – لا يحمل ثقافة حقيقية تجعله يدرك من خلالها قيمة اللغة بصورة عامة وليس اللغة العربية فقط، ويفهم كيف يمكن تكوين الوعي الإنساني من خلال هذه اللغة وبالتالي إدراك تاريخ الأمة التي ينتمي إليها من خلال لغته التي يتحدث بها وأن وعيه كفرد في هذه الأمة يقوم على فهمه للغته الخاصة وأن ضمور لغته يؤدي إلى ضمور الأمة نفسها وتلاشيها كما حدث في الكثير من أمم أميركا اللاتينية، أما حين يكون الحديث بغير اللغة صادرا ممن يدعي الثقافة أو هو محسوب على فئة المثقفين فإن المصيبة تكون أعظم، بل يكون من الطبيعي أن ينزع هذا المتحدث من طبقة أو فئة المثقفين ويعود إلى أية طبقة أو فئة بعيدة عن الثقافة والمثقفين.
حين نسير في أي شارع في المملكة نرى حجم الانتهاك الذي يمارس بحق لغتنا العربية من خلال الكتابات التي تنتشر في كل مكان والإعلانات المنتشرة في الشوارع التي تقلب المذكر مؤنث والجمع مفرد وتركب كلمات بصورة مقززة وكأن من كتبها إما جاهل باللغة العربية أو أنها ليست لغته الأصلية وهذا أمر تناولناه عدة مرات ولكن من بيده الأمر عن مثل هذه الأمور غائب في أمور أخرى ويسبح في ملكوت الله لأنه ربما لا تعنيه انتهاكات اللغة العربية أو لأنه ليس هناك قانون واضح ومحدد يحمي هذه اللغة ويوقع العقاب المناسب على من يسيء إليها سوى النص في الدستور بأنها اللغة الرسمية للبلاد ومع ذلك لا يطبق هذا النص الدستوري في الكثير من المواقع والأوقات.
اللغة كما يقول بعض المفكرين هي ذاكرة الأمة التي منها يستقي الإنسان تاريخه بل بها يسجل ذلك الإنسان تاريخه وتاريخ أمته وبلاده لتصل إلى الأجيال التالية واضحة مقروءة ومفهومة ولكن البعض منا يعتقد بأنه يساير التطور ويصر على تجاهل لغته ويصر على ردمها مع أنها لغة حية متطورة ولكن من يسيء استخدامها بعيد عن الطور، فالتطور من المهم أن يكون ذاتيا داخليا أولا وقبل كل شيء وليس خارجيا قشريا فقط... والله أعلم.