في جزء منه يعتمد الحوار الوطني في مرحلته الثانية والجاري حاليا، يعتمد على المخزون المعرفي والثقافي للمتحاورين وكيف يستطيع كل منهم استخراج ما يحمله من مخزون معرفي في أوقات معينة ولخدمة موقف أو رأي معين، وبعيدا عن التقليل من أي فرد أو عضو في الحوار فإن ما يبدو أن هناك حلقة مفقودة وغير مفهومة بين معرفة وثقافة المتحاورين أو أن هناك مسارات مختلفة تسير فيها ثقافة كل متحاور.
بالتأكيد لا يوجد تماثل أو حتى تقارب بين الحاضرين فكل منهم يحمل ثقافة ومعرفة نابعة من تكوينه وما تلقاه طوال تجربته الحياتية وكل منهم له تجارب مختلفة حيث نشأ البعض منهم نشأة دينية وارتبطت معرفته وثقافته بما هو حلال وما هو حرام وان هناك خطأ بين الاثنين لا يجب تجاوزه مهما كان السبب، وهناك من نشأ نشأة مختلفة وراكم مخزونه الثقافي والمعرفي من خلال الفهم غير القريب من الدين أو الثقافة الدينية وبالتالي من غير المهم وضع تلك الفواصل بين ما هو حرام أو حلال بل الفواصل تحددها أمور أخرى فكرية وسياسية قد تخلط بينها أمور تميل للتناقض في ما يتعلق بالفكر الديني أو التراث الديني، وهناك من مزج بين الاثنين وحاول طويلا إيجاد تقارب بينهما وعلاقة وطنية وسياسية يحاول من خلالها محو التناقض أو التنافر المفتعل بين الدين والسياسة.
هناك من يرى الحقوق فقط كمعيار للعمل الوطني والسياسي أيا كان توجه تلك الحقوق ولذلك لا يريد الحديث إلا في ما هو لي وليس للآخر أو مصدرها أو من يستحقها أو ما ينتج عنها وهناك من يرى الوجوب في الدولة كأساس يستند عليه وما دون ذلك يمكن الحديث عنه وهناك من ينظر إلى الذات ولا نعني الذات النفسية بل الذات الفكرية أو الحزبية الضيقة ويختزل المجموع في تلك الذات وهناك من دخل للتناحر فقط وإيجاد الردود والردود المتبادلة مما يخلق حالة من الميوعة الحوارية والانسياب الزمني المحدود أصلا وهناك الكثير من الأمور المتفاوتة بين المشاركين دون تحديد أو لصق صفة من تلك الصفات بفرد أو جهة بل إن هذه هي الأمور التي يمكن أن نستشفها مما يحدث هناك ومن كيفية سير العملية الحوارية والأسباب الكامنة وراء التلكؤ في إقرار ما يجب إقراره وخدمة من على الجميع واجب خدمته والتوصل إلى حالة مجتمعية ترضي الجميع أو تكون أقصى ما يمكن التوصل إليه لإرضاء الجميع.
لا ضير في النظر بعين حقوق الإنسان أو الحقوق بصفة عامة ولكن من المهم ومن الدافع للحوار أن تتوسع تلك الحقوق لتنعكس على الجميع دون تحديد على الفرد والوطن كليهما أو فرد دون آخر أو جهة دون أخرى لأن الحقوق كما نفهمها على الأقل ترتبط بما يسمى المساواة وعدم التمييز، والتمييز هنا ليس فقط من قبل الدولة أو ما يريد البعض أن يطلق عليه النظام، بل ما نراه أن التمييز أصبح جزءا من فكر وحياة المواطن العادي فكل ما أقوم به ويقوم به من معي هو الحق بلا جدل أو نقاش، وكل ما يقوم به غيري مهما كان هو الباطل بلا جدل أو نقاش، وهذه الفكرة أو هذا المبدأ يعطي فهما غير صحيح لمبدأ حقوق الإنسان ويوجهها في اتجاه خاطئ ويفرغها من محتواها، مع أننا حين نتحدث عن حقوق الإنسان لا نستند فقط لما أقرته المنظمة الدولية وإنما نستند إلى الإنسانية وإلى ما أقره الدين الإسلامي الحقيقي وليس الدين الذي يتمسح به الكثيرون في عصرنا الحديث وربما على مر العصور السالفة.
هذا التفاوت المعرفي والثقافي والذي يعطي الحكم عند من يحمله على الكثير من الأمور والمواقف هو الذي يخلق التفاوت بين الجميع بل ربما يجعل اللغة ليست واحدة بل لغتين أو أكثر من لغة يتم التحاور بها داخل قاعة واحدة وبين أفراد من مجتمع واحد... والله اعلم.