قد يكون التعذيب وممارسة العنف سمة تميزت بها الأنظمة العربية دون استثناء وغيرها من أنظمة انعدام الضمير الإنساني والإحساس البشري على مدار العقود الماضية وأذاقت به المواطن الإنسان صنوفا من العذاب لا يصدقها العقل وتراوحت ما بين الصعق بالكهرباء والتعليق من الأطراف لمدد طويلة من الزمن والحرمان من النوم لأيام إلى الدرجة التي ينتهي بها الإحساس عند من يقع عليه التعذيب وكذلك الحرق على الجلد وترك الإنسان في زنازين بعيدة عن الإنسانية والكثير الكثير من الأساليب المبتكرة في فن التعذيب، ويمكن أن نفهم لماذا تمارس الأنظمة بمختلف توجهاتها وانتماءاتها التعذيب والتنكيل بالآخر ولكن ما لا يمكن فهمه هو أن يقوم الإنسان بممارسة التعذيب بحق أخيه الإنسان إلى درجة إنهاء حياته.
في لقطة بثتها قناة (سي بي سي) المصرية عرضت فيها وعن طريق موقع اليوم السابع، عرضت كيف يقوم المسؤولون بإحدى مصحات الإدمان في مصر بمعاملة النزلاء وكيف يمارسون معهم أقسى أنواع التعذيب وكأنهم اسرى الحرب العالمية الثانية أو أن الفيلم كان من سجن أبوغريب في العراق مع أنهم جميعا يدفعون مصاريف بقائهم في المصح ولكن انعدام الإنسانية عند القائمين على المصح والسادية التي يتمتع بها البعض من المنتمين اسما للبشر جعلتهم يمارسون كل ذلك بحق أولئك المرضى.
ماذا يحمل عقل أولئك الممارسون للتعذيب أو المحرضون عليه، ولا نريد لحديث عن الأجنبي غير العربي المسلم بل لنختصر الحديث عنا نحن العرب المسلمون الذين نهلنا كل فكر خير ومتسامح من ديننا الحنيف ومن تراثنا العربي عبر التاريخ، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن فكر ذلك الذي يطلق على نفسه داعية إسلامي وهو يوجه التهم من على الشاشة البيضاء بحق ذلك الذي تم سحله في شوارع القاهرة مؤخرا “محمود صابر” وينعته بالمجرم الذي يستحق السحل بل والقتل كذلك، وهو ما يعني دعوته والتيار المنتمي إليه للعنف ضد الآخر في تناقض فج بين الصورة والواقع... كيف يكون حاملا للواء الدين وليس أي دين بل الدين الإسلامي ثم يتحدث بهذه الصورة والإسلام براء من تلك الممارسات التي يؤيدها بعض من يتحدثون باسم الدين الذين انتشروا مؤخرا ويريدون الهيمنة على مقدرات الأمة، بعد أن وصلوا إلى سدة القرار والحكم عن طريق العنف المجتمعي والعسكري أحيانا ضد الأنظمة التي كانت قائمة.
في مجتمعنا العربي المسلم بدأت الحقيقة تتكشف عن التيارات السياسية التي تحمل اسم الإسلام والتي قلنا منذ أشهر فقط وحين بدأت صناديق الانتخاب تعطي هذه التيارات الأغلبية قلنا إن لها الحق في الحكم وإنه من الضروري إعطاءها الفرصة لتعطي ما عندها، وقد بدأت تعطي ما عندها بالتحول إلى تنظيمات عنف وليس سياسة وحكما وبدأت في العلن تطبيق ما كانت تمارسه في السر حين كانت محاصرة وتنشر الصورة الحقيقية حول فكرها السياسي المتسم بالعنف بسبب عدم القدرة السياسية مقارنة بباقي التيارات السياسية وبالتالي مارست العنف ليس بحق التيارات الأخرى بل بحق المواطن غير المنتمي لها.
ليس من الصحيح اختزال الممارسات العنيفة للكثير من التيارات التي تحمل لواء الإسلام السياسي على فترة الحرب الأفغانية وإن كان لتلك الحرب دور مهم وبارز في تشكيل الكثير من تيارات الحرب والقتال في الدول العربية بالذات كونها كانت المحور والمصدر الأساسي لعناصر القتال الشعبية ضد الاحتلال السوفيتي لذلك البلد وبعد انتهاء تلك الحرب لم تجد تلك العناصر غير أوطانها لتمارس فيها ما تعلمته في ساحة القتال وقد كانت تلك الأوطان بيئة صالحة لتلك الممارسات بسبب التخلف التي كانت عليه وهيمنتها على كل شيء في تلك الأوطان بعيدا عن المواطن مما جعل ذلك المواطن مهيأ لتلقي وقبول الدعوة من العائدين من حرب أفغانستان.
اللجوء للعنف عند الفرد والتنظيم يعني في جانب منه عدم تحلي التنظيم للقدرة السياسية المناسبة والمطلوبة وعجزه عن خوض التجربة سياسيا أمام الآخر مما يدفع بالقائمين عليه لجعل العنف وإزاحة الآخر بالقوة احد الوسائل المستخدمة في العمل السياسي.
وقد يكون نظام الحكم العربي سببا آخر للعنف الذي سار عليه الفرد والتنظيم العربي المسلم، فهيمنة فرد أو أفراد على المال والسلطة في الوطن العربي وانعدام الحرية الفردية والمجتمعية والحرمان الذي نشأ عليه الفرد العربي المسلم والفساد المصحوب بالقوة التي سارت عليه الأنظمة العربية والكثير من الأنظمة الإسلامية وانعدام العدالة الاجتماعية التي هي ركن أساس في الدين الإسلامي، ولكن كل ذلك لا يعني أن يكون العنف نهج التنظيمات السياسية المسماة بالإسلامية ولا يمكن أن يبرر فكر العنف الذي يدعو إليه بعض المنتمين لتلك التيارات بعد أن وصلت للحكم وصارت صاحبة قرار إلا ان كان العنف هو النهج التي تربت عليه عناصرها ولا تستطيع التخلي عنه فجأة.