حين نقرأ في كتب التاريخ عن الأفعال التي قامت بها وعلى سبيل المثال لا الحصر الدولة العباسية في بداية حكمها وفي معارضيها بعد ذلك وكيف كانت تعذب أولئك المعارضين بطرق تصل إلى الوحشية والسادية كنا نستغرب أن يقوم بشر بمثل تلك الأفعال فكيف إذا كان ذلك البشر يدين بدين الإسلام، وحين كنا نسمع في عصرنا الحديث وقبل التطور الهائل في وسائل الإعلام عن وسائل التعذيب التي تقوم بها الأنظمة المختلفة كان شعورنا يصل إلى مستوى عدم التصديق ولكن كل ذلك الشعور تبخر في الوقت الراهن بعد أن بدأنا نرى بالعين ما تمارسه الأنظمة بمن يعارضها أو من يكون بالصدفة في طريقها وكيف تكيل له ألوانا من العذاب أدركنا أننا نعيش في عصر يتسم بالكثير من الغرائب والتناقضات.
حين تتمسح الكثير من الأنظمة بالديمقراطية والتسامح والدين وغير ذلك من الصفات الحسنة ثم نراها تمارس التعذيب للآخر فإننا فعلا نعيش التناقض بين الفعل والقول ونوقن بان الكرسي يمسح في الطريق إليه كل صفة حسنة وكل ألوان المحبة والتسامح ويحول من يجلس عليه إلى حيوان متوحش إلا من رحم ربي وهم قلة قليلة ونادرة في عصرنا الحديث وفي جميع العصور التي سبقته.
لا يمكن أن يمارس التعذيب من يكون قد تربى تربية إسلامية حقيقية ونهل من المثل والصفات الإنسانية الكثير، لذلك فإن من يمارس تعذيب الآخر ربما يكون قد عاش حياته في خوف من الآخر مما يدفعه عند ما يملك القوة المادية أن ينتقم من ذلك الآخر أيا كان ويمارس في الضعيف كل صنوف القهر التي يمكن أن تعيد له بعض الشعور بالقوة التي كانت مفقودة لديه في حياته السابقة، وربما يمارس التعذيب كذلك من تعرض نفسه للتعذيب لذلك تنعدم عنده الرؤية والتمييز بعد أن يملك تلك القوة ويقوم نفسه بالتعذيب ليرى ما كان يعانيه نفسه ويريح ذاته.
وقد يمارس التعذيب من يحمل بداخله عقدة نقص من الآخر يعكسها على المجتمع بكامله لأن المجتمع لم ينصفه ممن زرع به عقدة النقص تلك فيكون تعذيبه لفرد في المجتمع بمثابة عملية انتقام من ذلك المجتمع المتمثل في أي فرد من الأفراد، وخلاصة القول إن المعذبين في الأرض (بكسر الذال) ليسوا بشرا أسوياء بل هم ناقصوا تربية أو كانوا من المعذبين (بفتح الذال) أو ممن انتقص منهم الآخرين شيئا في السابق ولم يجدوا من ينتقمون منه إلا الضعيف الذي يكون أمامهم وهم أصحاب قوة.
ما يحدث في مصر الآن لا يمكن مقارنته بما كان سابقا حيث إن النظام السابق لم يكن يصف نفسه بما يصف النظام الحالي نفسه به ولم يكن يملك دعوة كالتي عليها النظام الحالي حين يتمسح بالدين والدين براء من الأفعال التي رأيناها ورآها جميع البشر على الهواء مباشرة، فإذا كنا نرفض ممارسات النظام السابق بحق الشعب المصري فإن رفضنا أشد لما يقوم به النظام الحالي من تعذيب وقتل للبشر وسحل لهم في الشوارع وانتزاع آدميتهم أمام الناس والحط من كرامتهم على الهواء مباشرة وليس في غرف مغلقة.
أي دين ذلك الذي يسمح بتلك الممارسات التي يمارسها عناصر النظام الحالي، وأية دعوة إسلامية يمكن أن تتجانس مع هذه الممارسات، وكيف يمكن أن يبرر أقطاب النظام الحالي ما يقوم به أتباعهم وأزلامهم بحق المواطن العربي المصري، وهل يعتقد الإخوان أنهم يمدون في عمر بقائهم على القمة بهذه الممارسات اللاإنسانية وأنهم يمكن أن يبسطوا سيطرتهم على الدولة بإخافة الناس مع أن من سبقهم مارس نفس الفعل ثم ارتمى وحيدا خلف القضبان ولم يتمكن من زرع الخوف في نفوس شباب مصر الذي فتح صدره في الخامس والعشرين من يناير 2011 متجاهلا ما يملكه النظام السابق من أسباب القوة.