ذكرت في مقال سابق أن البعض يرى أن إنجاز الألباني كان أصعب من إنجاز كثير من علماء عصره وفقهائها المتأخرين كالشيخين ابن باز وابن عثيمين رحم الله الجميع.
والسبب في رأي هؤلاء الدعاة أن الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى ترعرعا في بيئة دينية قد استقرت فيها العقيدة الصحيحة، وتوفرت لهما سبل العلم كابرا عن كابر.
أما الألباني فقد جاء مع والده من ألبانيا إلى سوريا بعد أن حكم الأولى “أحمد زوغو” وسار بها نحو العلمانية، فنزع الحجاب، وألزم الرجال بلباس الغربيين وحارب المظاهر الدينية.
انتقلت الأسرة إلى الشام وترعرع الألباني ذو السنوات التسع في بيئة انتشرت فيها أصناف من العقائد والمناهج والبدع لعل التعصب المذهبي هو أهونها.
عاش الألباني في أسرة فقيرة اعتمدت على مهنة والده في تصليح الساعات، وقد كان يعمل مع والده، ولم تكن سبل طلب العلم متوفرة له، ولا ثمة علماء يطلب عليهم.
لقد عجز الشيخ الألباني عن شراء ما يحتاجه من كتب، لذا لجأ إلى استئجار الكتب ليقرأها ثم يعيدها للمكتبة، وربما وفقه الله فوجد الكتاب عند صديق له.
ومما يدلك على فقره وعلو همته في نفس الوقت أنه نسخ كتاب تخريج الحافظ العراقي على إحياء علوم الدين في ثلاثة مجلدات، مع مراجعة كتب الحديث لفهم الكلمات الغريبة مع أن عمره لم يتجاوز السابعة عشرة.
وجد الشيخ الألباني نفسه في بيئة يغلب عليها التعصب المذهبي إلى درجة أن بعض المساجد كان فيها لكل أصحاب مذهب مختلف محراب مختلف وجماعة مختلفة.
ومن شدة تمسكه بمبادئه اختلف مع والده حول حكم صلاة الجماعة الثانية، فنتج عن ذلك أن خرج من بيت الأسرة خصوصا أن والده كان يذم طلبه لعلم الحديث.
ثم صار له دكانه الخاص، ورغم ضعف حالته الاقتصادية إلا أنه كان لا يفتح دكانه إلا لثلاث ساعات فقط، ثم ينطلق ليقضي ثمان ساعات يوميا في المكتبة.
مشروع العمر بالنسبة للشيخ الألباني كان تحت عنوان “تقريب السنة بين يدي الأمة” وفي سبيل هذا المشروع جاع الألباني وافتقر وخرج من بيته، ومنع من التدريس والخطابة.
وفي سبيل تحقيق مشروعه سجن الألباني مرتين، وأخرج من الشام إلى الأردن، ثم أخرج من الأردن إلى بيروت ولما وصلها كاد أن يهلك هو وأهله برصاصات غادرة، ليتركها بعد فترة ويتوجه إلى الإمارات.
ورغم مشاغل الشيخ الكثيرة ودعوة الجامعات والمؤسسات له للتدريس أو التخريج أو الإشراف أو الانتداب للدعوة فإنه لم ينشغل عن مشروعه الكبير “تقريب السنة بين يدي الأمة”.
لقد أفنى الألباني حياته في طلب العلم والتأليف حتى كان له حوالي (155) مؤلفا في العقيدة والحديث والفقه ومختلف الفنون، ما بين تأليف وتحقيق وتخريج والعديد من المقالات والمحاضرات وآلاف التسجيلات الصوتية.
لقد وفق الله تعالى العلامة الألباني لتحقيق جزء كبير من مشروع عمره وهو “تقريب السنة بين يدي الأمة”، فأحيا علوم الحديث في كثير من بلاد المسلمين، وأشاع فيهم روحا جديدة نحو تعظيم السنة، ونبذ البدعة.
رحم الله الألباني وجازاه خيرا على ما قدمه لأمة الإسلام، فقد أصبح مشروعه لتقريب السنة علامة فارقة، وقلّ من يؤلف بعده ولا يتطرق في مؤلفه بقوله صححه أو ضعفه الألباني، ولا يعني هذا أنه معصوم.
كما يندر أن تفتح مؤلفا حديثا دون أن تقرأ في مراجعه السلسلة الصحيحة أو السلسلة الضعيفة لناصر الدين الألباني، أو صحيح الجامع الصغير أو غيرها.
لقد وفّق الله تعالى الألباني فأصبحت عبارتا “صححه الألباني” أو “ضعفه الألباني” جملتان لا غنى عنهما عند كثير من طلبة العلم المعاصرين، وأصبحتا تشيعان الطمأنينة والثقة لدى السامع.
كثير منا يعيش حياته دون هدف كبير، ولذلك تصغر هممنا وتضيع أوقاتنا، أما العظماء فيأبون أن تمر حياتهم دون أن يحفروا اسمهم في التاريخ بمشروع أو موقف.