كنا في حديث مع بعض الأفاضل عن الأعمال والمشاريع، وشيئا فشيئا نحا بنا السياق إلى ما هو أوسع من التجارة، حينها تذكرت بعض العلماء ومشاريعهم التي اعتبروها مشاريع عمر.
في ذلك المجلس ذكرت للحاضرين طرفا من قصة التاجر المسلم الشيخ سليمان الراجحي الذي بدأ ثروته من ريال واحد ثم توسع في مشاريع نافعة ليتحول إلى واحد من أكثر (المليارديرية) تميزا سواء في فكره أو منهجه أو توجهاته وأهدافه التجارية أو في مقدار النفع الذي يقدمه لبلاده وأمته من خلال التجارة الهادفة وليست أية تجارة.
وطبعا لا يمكن أن ينسى منصف العلماء السابقين من أمثال البخاري وابن حجر ومسلم والنووي ومن قبلهم ومن بعدهم ممن أفنوا أعمارهم في تأليف موسوعات علمية دقيقة لم يتمكن من جاء بعدهم من تقديم مثلها.
مشروع العمر هو ما يضعه الإنسان نصب عينيه ثم يسخر من أجله عمره وشبابه وأمواله وأوقاته ليقدم في الخاتمة مشروعا عظيما ينفعه في الدارين، ويستفيد منه الآخرون.
مع ذلك فإن الأقرب إلى نفسي هو أن أبدأ بالحديث عن علّامة وعلامة زمانه ومكانه في العصر الحديث، الرجل المُلهَم والمُلهِم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
قال الشاعر محمد المجذوب عن الألباني:
وحسبه أنه هز العقول وقد *** باتت من الحَجر والتقليد في هون
فأصبح ذات وعي ليس يعجزه *** التمييز ما بين مفروض ومسنون
إلى قوله:
فما عسى أن يقول الشعر في رجل *** يدعوه حتى عداه ناصر الدين
أذكر أنني أبديت مرة للشيخ سعد الراشد صاحب مكتبة المعارف التي طبعت الكثير من مؤلفات الألباني رغبتي في طباعة ولو كتاب واحد للشيخ الألباني بمناسبة تأسيسي لمكتبة الريان، ولكنه صرفني بحكمة.
ذكر الراشد أثابه الله أسباب صعوبات التعامل مع الشيخ الألباني ومنها أن الشيخ يتأخر ويدقق كثيرا في التصحيح غير مكترث بمواعيد الطباعة ولا تكلفتها ولا النواحي التجارية.
وهذا يدل على أن الألباني رحمه الله تعالى لم يكن ينظر للتأليف على أنه تجارة، وإلا فقد كان بإمكانه أن يكسب الملايين لو أنه سرّع في التأليف حبة وتهاون في التدقيق حبتين.
شغل الألباني العالم الإسلامي بمؤلفاته ومحاضراته، ويصدق ما قيل فيه “سارت بتصانيفه الركبان، وملأ بتواليفه المكان والزمان، وألان الله له الحديث كما يلين الذهب في يد الصائغ”.
حين قرأت ترجمة الشيخ الألباني المطولة التي كتبها الشيخ محمد الشيباني، ثم قرأت وسمعت ما قاله عنه معاصروه ومنهم تلميذه الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، وشهادات أقرانه كالشيخين ابن باز وابن عثمين صدّقت انه فعلا رجل ليس من هذا الزمان، بل هو كما عبر الشيخ عبدالخالق “كأنما هبط إلى زماننا من القرن الثالث الهجري” يعني حرصا على العلم والسنة وثباتا على الحق.
قبل فترة وفقني الله لاقتناء كتاب “شادي آل نعمان” في تسعة مجلدات وأسماه “موسوعة الألباني” وقد احتوت على أكثر من خمسين عملا ودراسة حول الألباني وتراثه.
اشتريت أيضا في نفس اليوم كتابا من جزئين بعنوان “آراء الشيخ الألباني الفقهية في العبادات دراسة مقارنة” للدكتور الشريف مساعد الحسني وهي أطروحة نال بها الدكتوراه في الفقه بتقدير ممتاز.
يذكر الشريف أن المؤلفات التي كتبت عن الشيخ الألباني كثيرة، وأنه قد حصر حوالي سبع دراسات عليا ما بين ماجستير ودكتوراه ألفت عنه فضلا عن عشرات المؤلفات غير الأكاديمية.
ورغم أني لم أذكر بعد حتى عشر معشار ما أود قوله عن هذا العالم الفذ، إلا أنني فوجئت بأنني قد وصلت لنهاية المقال، ولذا سوف أواصل الحديث عن مشروع العمر بالنسبة للألباني في الغد.
كلمة أخيرة: كنت أظن وأخفي في نفسي (ثم سمعت ذات الكلام من بعض الدعاة) أن إنجاز الألباني الذي حمل لواء السنة ستة عقود تقريبا كان أصعب بكثير من إنجاز الكثير من علماء الأمة وفقهائها المتأخرين كالشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله تعالى رغم مقامهما العظيم فضلا عمّن دونهما، ومثاله في ذلك كمثال الشيخ أحمد ديدات رحمهما الله سأبين وجهة نظري في ذلك في مقال الغد فإلى لقاء.