على عكس ما يجري في الدول النفطية عادة حيث أن المتهم الأول في سرقة النفط (أموال النفط) هم الحكام والحكومات والمسؤولون، فإن ما يجري في نيجيريا هو أمر مختلف تماما.
نشرت جريدة “الشروق” في عددها الصادر بتاريخ 10 مارس 2013 تحقيقا مفاده أن نيجيريا تعد من بين أكثر الدول إنتاجا للنفط في العالم.وأن النفط النيجيري يتعرض للسرقة وليس عائداته، والذي يسرقون النفط هم هذه المرة فئات من الشعب أو عصابات من الشعب بشكل أدق.
في نيجيريا يقوم السرّاق بكسر أنابيب النفط الخام الممتدة على مئات الكيلومترات ووضع صمامات عليها ثم سحبه وتصفيته بصورة بدائية واستخراج مشتقاته وتهريبها.
وسبيلهم في ذلك هو الهجوم على الأنابيب في غفلة من السلطات، أو تحت أنظار السلطات الناعسة الذين يغضون الطرف عن ذلك مقابل الرشاوى والعطايا والمزايا.
المضحك هنا أن الضباط والجنود يدفعون هم أيضا الرشاوى والمبالغ المالية لمسؤوليهم حتى يقوموا بنقلهم للعمل في هذه المنطقة بسبب المنافع التي ستعود عليهم من السرّاق مقابل غض الطرف أو الحماية بل وحتى المشاركة في السرقة!
يقول التقرير إن بعض الضباط الكبار قد يدفع ما يعادل ثلاثين ألف دولار مقابل تمكينه من العمل بتلك المنطقة، لأن المشاركة في سرقة النفط قد تكسبه الملايين.
قد يقول قائل إن كل شيء في مثل هذه الدول معرض للسرقة، وهذا صحيح، لكن التقارير تقول إن ما يسرق من نفط يقدر بأكثر من مليار دولار شهريا!
سرقة النفط في نيجيريا لم تقتصر آثارها على الجوانب الاقتصادية؛ بل تعدت ذلك لتشكل خطورة أمنية كبيرة إذ أن الأنابيب المكسورة كما هي الشاحنات البدائية المحملة بالنفط معرضة للحريق والذي يؤدي في أغلب الأحيان بعشرات الأرواح ما بين محروق ومقتول.
ليس هذا فحسب فالنفط المسروق يمثل هناك مشكلة بيئية لكون السرّاق يبنون مصانعهم الخاصة للتكرير مما يعرض البيئة لخسائر كبيرة، ويصيب الناس بتلوث كبير.
الجميل في نيجيريا أن سرّاق النفط يعترفون بعين قوية بسرقاتهم وبأنهم يعلمون أن ذلك يكبد البلاد خسائر جمة، لكنهم يبررونها ويعزونها لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية.
من هذه التبريرات التي يسوقونها انتقادهم لسياسة عذاري (ولا أدري كيف ينطقونها بالنيجيري) بمعنى أنه مع أن النفط يتواجد في مناطقهم؛ إلا أنهم لا يستفيدون منه كثيرا، وأن الدولة لم توفر لهم العيش الكريم، ولم تخلق لهم فرص عمل حلال!
يقولون أيضا إن الشركات العالمية التي تشتري النفط قد أضرت باقتصادهم، ولوثت مجتمعاتهم ومع ذلك فهي لا تهتم بهم، ولا تدفع لهم مقابل ذلك أي تعويضات!
ولذلك يقومون بتكسير أنابيب النفط، ومن ثم يطلبون تعويضات من الشركات العالمية بحجة الأضرار التي تعرضوا لها، أو أن تلك الشركات ستوظف أبناءهم كحراس للأنابيب والمنشآت!!
يعني أنهم في المحصلة النهائية يرون أن فساد الحكومة وهيمنة الشركات العالمية حرمهم حقهم، وأنهم لا يمارسون إلا حقهم المشروع طبعا على طريقة (كل من برميله إلو).
طبعا يخالفهم الخبراء في النفط وفي الاقتصاد ذلك، إذ يرون مع إقرارهم بالفساد والبطالة وعدم وفاء الحكومة بوعودها (الكثيرة) أن سرقة النفط تسبب إراقة كميات منه هباء، وتلوث البيئة وتقتل النباتات والحيوانات والأسماك مما عطّل الزراعة والصيد في كثير من المناطق، وأنها تحتاج لحوالي ثلاثين عاما لإصلاحها، كما أنها تدمر الاقتصاد على المدى البعيد.
المحصلة أن النفط في دول العالم الثالث مسروق مسروق، بشكل أم بآخر، غير أنه في بعض البلاد منهوب من الحكومات، وفي بعضها الآخر كنيجيريا ينهبه الشعب!!