الأميركان وما أدراك ما الأميركان لا أحد ينكر عليهم أنهم الدولة الكبرى والعظمى ولا أحد ينكر عليهم أنهم الشرطي الوحيد في العالم لكن أن تخلق اميركا هذا المستنقع العالمي الكبير وتحول السياسة الى عمل بدون اخلاق يجعلها غير جديرة إنسانيا بمكانها العالمي حتى لو كانت تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم، فالترسانة العسكرية الضخمة حينما تكون في يد سياسي لا يؤمن بالأخلاق يكون إرهابيا في الحقيقة.
لماذا حينما أصبحت أميركا مركز القوى الوحيد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عم الشر في العالم وانهارت القيم ولم نعد نسمع عن نشاط سياسي يحترم الإنسان بصرف النظر عن بلده أو عن جنسه أو لغته أو ديانته؟ هل لأن ادارة العالم مهمة اصعب وأكبر من امكانيات العقول الاميركية وحدها؟ بعد ان علمها النظام الرأس مالي الأنانية والفوقية والطبقية وغيرها من التمايزات التي تفتت المجتمعات، هل انهيار الأخلاق لدى الساسة الأميركان جعلهم يلجأون - بدم بارد - الى اختلافات مكونات الشعوب والعمل على تحويلها الى خلافات تشطر المجتمع وتنشغل بها الفئات ومكونات المجتمعات عن الفساد والظلم؟
استعمار الفرنسيين والإيطاليين والإنجليز والبرتغاليين والإسبان للعالم بصورة عامة والعالم العربي بصورة خاصة رغم كل السوء الناتج عن هذا الاستعمار الا أن أخلاق الناس والساسة على وجه الخصوص ظلت متماسكة والنعرات الفئوية لم تشتعل بالصورة التي نراها اليوم رغم ان فترة الاستعمار السابق لم تشهد طفرة في التعليم أو الثراء أو حتى الاتصال الذي نشهده اليوم لشعوبنا رغم ذلك فإن التداعي والانهيار الاخلاقي وتفشي التخلف في الأطروحات التي لن نجد عنوانا صارخا لها مثل الطائفية والفئوية والعرقية، لم يبلغ حدا مثل الذي نعاني منه اليوم وهو عهد التوسع والانتشار والهيمنة الأميركية.
فالدول العربية بعد سنوات الاستعمار العجاف الطويلة والمريرة سواء للإنجليز أو الفرنسيين او غيرهم خرجوا بفكرة القومية العربية والمصير المشترك والتكامل والتكافل الاجتماعي بين الشعوب العربية والإسلامية وأفكار مثل عدم الانحياز والأوبك وغيرها من التحركات السياسية التي تقف شامخة على اساس من النوايا والمثل النبيلة والأخلاق والشرف الرفيعين.
فماذا نحن خارجون به اليوم من السيطرة والاستعمار الفكري والسياسي والثقافي الأميركي “بحكم الإخوان وأتباع الولي الفقيه” أي الحكم الراديكالي الذي رفضه الغرب قبل قرون عديدة، سنخرج بسودان “سودانين” وعراق الله أعلم كم جزءا سيصبح، وسوريا كذلك وليبيا وقد انهارت مقومات الدولة فيها واليمن أصبح وشيكا من تقسيمه الى ثلاث دول، ومصر التي تحتاج الى عقود لترمم جراحها وتستعيد أمنها، وتونس التي فقدت هويتها والبقية تأتي، هل الإناء بما فيه ينضح يا أميركا؟ كيف ستكون المحاسبة الإنسانية للدولة الأميركية بعد ان تأكد وقوفها كداعم خلف كل طرح متطرف في العالم ليس العربي فحسب بل والإسلامي والإفريقي وربما بقاع كثيرة في اوروبا بعد اكتشاف التجسس على رؤساء كبريات الدول الأوروبية؟
الصحوة الخجولة والخفيفة في اوروبا ودخول مثقفيها ومفكريها في نقاشات جادة حول اشكالية الربيع العربي وحقائقه وتورط عدد من الدول الاوروبية في دعم القوى الراديكالية في العالم العربي ما أدى الى تدهور حال دول كثيرة قطعت شوطا كبيرا في مسيرة التحضر، لا شك ان هذه الصحوة سيكتشف اصحابها ان الآلة الاعلامية والسياسية الأميركية التي دفعت تلك الدول الى هذا الدعم الغامض للراديكاليين ولتعميم الفوضى والعنف في المنطقة بهدف واحد وحيد وهو وقف التقدم الحضاري لدول العالم العربي وقربها عبر كوادرها وأجيالها الجديدة من مسك قرار ثرواتها وإمكانياتها من الطاقة ودخول السوق العالمية كشخصية ذات سيادة تتمتع بفكر سياسي واقتصادي واجتماعي خاص وناجز لا يمكن الأميركان من احتكار نفطها ولا أية دولة اخرى.
من سيعيش العشر السنوات القادمة سيقرأ عبر المراقبين كيف سيتم وصف الدولة الأميركية أو شرطي العالم على انها ذهبت بالعالم الى هاوية ليس بمقدور احد ان يكون المنقذ، وهذا ما سيجعل الحكم والعقاب لهذه الدولة شديد على قدر الجرم الذي تخلى عن كل ما يمكن ان يمت للأخلاق أو الإنسانية.
حينها ماذا سينفع اعتذار الرئيس الأميركي بعد عشر سنوات من اليوم، ليبيا وشعبها، سوريا وشعبها، مصر وشعبها، تونس وشعبها، اليمن وشعبها، العراق وشعبه، بل العالم بأسره الذي عطلت الأزمات المفتعلة نهضته وتقدمه تحت مسميات مثل الفوضى الخلاقة أو الربيع العربي أو تعميم الديمقراطية؟ لن تنفع الاعتذارات أبدا.