كانت لدي مواضيع كثيرة لا تتصل بالحوار القائم اليوم بل اعتبرها تتقدم في الأهمية على هذا الجدل الاسبوعي الذي لا يعدو اكثر من مسلسل هجره المشاهدين من فرط ضجرهم منه ومن بذاءة ألفاظه التي لا تليق بكونه حوارا وطنيا سيحدد مصير البلد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
على كل حال ليس الحوار في حد ذاته ما لفت نظري بل المؤتمر الصحفي الذي عقدته المعارضة الاسبوع الفائت حيث الموسوي يجلس متوسطا المتحدثين فيما هو ليس اكثر من حارس للطاولة وتزكية الحراك من ان يكون حراكا يمينيا شيعيا صرفا أمام الاعلام الدولي، المحبط والمزري في هذا المؤتمر الصحفي يكمن في أمرين أساسيين الاول هو ان هؤلاء من يدعي نصرته للحقيقة والشفافية، طوال ذكرهم لما يدور في الحوار لا يذكرون أسماء، في اشارة صريحة لمساحة الشفافية لديهم.
الثاني هو تركيز الوفاق وبقية التيارات المتحلقة ممثليها على الطاولة على خطاب وزير العدل واطروحاته والتعامل معها بسذاجة لا يمكن وصفها إلا بالجهل، فماذا كانوا يعتقدون من ممثل الحكومة ان يتحدث عن برنامجهم مثلا؟ انا شخصيا أرى الشيخ خالد ناجح بدرجة ممتاز في أداء دوره وجعل الحكومة في الموقف الاقوى من كل ما يدور داخل أروقة الحوار وعبر وسائل الاعلام المختلفة، أما الفاشلون فهم المعارضة وائتلاف الفاتح.
طوال المؤتمر الصحفي يتحدث اطراف المعارضة عما قاله وزير العدل وما ادلى به وما صرح به وما اشار اليه، وكأنهم بهذا المؤتمر يريدون ان يزكوا نجاح وزير العدل في السيطرة على مجريات الحوار بوصفه صاحب الطرح الوحيد والمبادر الوحيد في تشخيص ما يدور، حيث لا يوجد سوى كلامه جدير بالتعليق ليسيطر تدريجيا على الحوار بحنكة وفطنة ينبغي ان نهنئه عليهما.
كما على الوفاق ان تراجع نفسها بعد هذا المؤتمر الصحفي فقد كشف ممثلوها بمن فيهم حلفاؤها اليسار انهم يفتقدون للأطروحات، كما ينبغي عليهم التركيز على معنى دخول حوار مع الفرقاء وانه بمجرد بدء الحوار يصبح المتحاورون شركاء في المشروع وليس أعداء يبدأون الصراع او جولات المعارك، إنها جولات مقارعة الحجة بالحجة وليس التفرغ لتفنيد حجج الآخرين فقط وكيل التهم
السؤال هنا ماذا تريد المعارضة، لقد وضحت لنا الصورة بالنسبة لوزير العدل وما يريده وما تريده الجهة التي يمثلها وهي الحكومة لكن الوفاق ماذا تريد؟ هذه هي خطورة أن يدخل فريق دون استراتيجية او أهداف صريحة واضحة صادقة، يجعله ذلك في مهب الجدل والمناكفة والتخبط ما يعبر عن ان هؤلاء الممثلين ليسوا سوى دمى تحركها أياد خارج سياج المكان، حرمتهم من معرفة الهدف الحقيقي وراء وجودهم في الحوار، أنا لا اجزم بذلك لكن أداء ممثلي الوفاق هو ما يوحي بذلك.
فالشخصيات سواء من الوفاق او وعد او المنبر التقدمي وغيرهم من المعارضة الذين يشاركون في الحوار من الكوادر البحرينية المتعلمة والتي تمتلك خبرة كافية لتبدو في صورة أفضل من الذي تبدو عليه في هذا الحوار كجماعة جل همهم توجيه التهم للآخرين والانشغال بتصريحات المختلفين معهم والتعبير عن ذاتهم بأساليب لا تليق أخلاقيا وإنسانيا وسياسيا مع كونهم ممثلين في حوار وطني سيحدد مصير الدولة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.
مع هذا الضعف والتردي كيف توافق المعارضة على عقد جلسات حوار مرتين في الأسبوع ما هذا التكالب على حضور الجدل ومضاعفته، أين حصل في العالم حوار وطني يجمع كل التيارات على اختلاف أطيافها ينعقد اجتماعها في الأسبوع مرتين؟ متى يتدارس الفريق الأطروحات المختلفة معهم؟ كيف يقيم كل فريق مناطق الاختلاف والاتفاق مع الفرقاء؟ هل للمستشارين مكان في هذا الحوار أم ان السياسيين يفهمون كل شيء كعادتنا العربية.
اعتقد ان جلسة واحدة كل أسبوعين ستكون كافية بمعدل جلستين في الشهر، ربما يجعل هذا الإجراء الشعب البحريني يفكر ان ثمة جدية في هذا الحوار وليس استهلاكا للوقت ووسيلة للضحك على الذقون، ومناسبة لخلق أبطال جدد لدى الحكومة ولدى المعارضة على حد سواء.
لقد سبب لي صدمة حقيقة ما دار في المؤتمر الصحفي الذي عقدته المعارضة ولو كنت صاحب قرار في التيارات السياسية لعزلت كل أولئك الممثلين وعينت كوادر جديدة لعلها تقول ماذا تريد او تعرف أين هي ذاهبة، لا ان تترك نفسها طيعة في يد وزير العدل فيطوح بها يمينا وشمالا بكل يسر وسهولة، أكثر من ثلاثة أشهر.
أجزم ان أبطال المعارضة وأبطال تحالف الفاتح لن يتنازلوا عن عرش المشاركة في الحوار لذا سيصرون على استمرار الحوار وتمديد فتراته دون أدنى اكتراث بسمعة الحوار ذاته وكيف ينظر له المواطنين بالدرجة الأساسية والعالم بالدرجة الثانية.