مضت سنة بأشهرها الاثني عشر وانا في مدينة الضباب لندن اقضي أكثر أوقاتي بين ممرات المستشفيات اللندنية ما منعني عن التفرغ للكتابة كما كنت افعل قبل رحلة العلاج التي لن أنسى طوال حياتي كمواطن وككاتب صحفي اليد الحانية التي انتشلتني من أزمة فاجعة مرض زوجتي وعلاجها خارج البحرين تلك هي يد سمو الأمير رئيس الوزراء، فمواقف الرجولة والأبوة التي لطالما تميز بها سموه حولت المرض من محنة إلى فرصة أخرى للتفكر والمراجعة.
شكرا سمو الأمير خليفة بن سلمان فقد وفيتم وكفيتم،انتم جديرون وتستحقون هذا الشكر من قبل كل مواطن فظلكم طال الجميع، فلا أنسى حنو سموكم واهتمامكم حينما سبق اهتمام الجميع فأمرتم في غضون ثلاثة أيام انجاز كل متطلبات سفري مع زوجتي لتلقي العلاج المطلوب في أهم مستشفيات لندن خبرة وإمكانيات، تفاديا لتفاقم المرض أو استشرائه، وتأكيدا على أن المواطن البحريني لدى سموكم أهم من كل شيء حتى أهم من راحتكم، حيث مددتم يدكم البيضاء لي وسموكم في رحلة عمل شاقة لإعادة البحرين إلى جادة الطريق وسابق عهد سمعتها، فمسحتم على قلبي وقلب زوجتي والعائلة بها فشعرنا جميعا بالعزوة والسند والأب الساهر علينا جميعا فاطمأنت قلوبنا وتسلحنا برحمة الله ونحن نكابد جهاد مكافحة المرض وإجراءاته.
سمو الشيخ علي بن خليفة ليس اقل من أن يقال عن سموه بان هذا الشبل من ذاك الأسد فلا يزال يطمئن علي منذ بلغت لندن في يومي الأول وصار اطمئنانه علي عادة أتشرف بها كلما مرت فترة على وجودي في لندن فيقول لي ( يا حمد بعد رعاية الله لك ولزوجتك لست في حاجة لرعاية لكنك مواطن بحريني وجزء من العائلة الإعلامية البحرينية لذا فأنت جزء من اهتمامنا وما تحتاج إليه وما يمكن ان يعينك على محنتك سيكون من دواعي سرورنا أن نمدك به بما يشعرك بأنك في قلب البحرين)، أليس الشكر قليل على سموه الكريم؟ هذه الشخصية الوطنية التي تعمل بصمت وتتواصل مع المواطنين أينما كانوا، جعلني سموه فخور بكوني بحريني وسط العاصمة البريطانية التي تعج بالحضارة والتقدم.
سمو الشيخ علي علمني درسا لن أنساه ما حييت وهو أن العمل الوطني لكي يصل إلى قلب المواطنين لا يحتاج إلى تطبيل ومعارك إعلامية وبروبوغندا، كل ما تحتاجه هو أن تكون صادقا في عملك الوطني وتقوم به مخلصا لوطنك وتخاطب الناس من قلبك لتصل كلماتك وأفعالك إلى قلوبهم، شكرا لسمو الشيخ علي نائب رئيس الوزراء على هذا الجهد الوطني الراقي الذي سيتذكره كل صاحب ضمير.
في لندن وعلى مدى أشهر طوال افتقدت الكتابة وتناول مجريات الساحة بالنقد والتحليل ونقل وجهات نظر الناس في الشارع حول ما يجري ويدور، لكن في ذات الوقت انتهزت الفرصة لمزيد من القراءة ومزيد من التعرف على وجهة نظر البريطانيين الذين أصادفهم في ما أطلق عليه جدلا بالربيع العربي، بينما هو ليس أكثر من ربيع الأشواك.
ما اكتشفته حقيقة انك حينما تكون في لندن فانك تسمع عن بلدك أكثر مما أنت تسمع عنه وأنت فيه، وهذا بالطبع يرجع لسببين الأول أن ساحة الإعلام بوسائل التواصل المتعددة تمتلئ بالكذب وأصبحت بيئة مواتية لانتشار الإشاعات والأكاذيب، والسبب الثاني هو ضعف وسائل الإعلام المحلية في متابعة وملاحقة الحقيقة.
اعتقد أن البحرين إذا أرادت أن تستفيد من الأزمة التي مرت بها عليها أن تهيئ البيئة لازدهار الإعلام الحر لديها عبر تشجيع مؤسسات إعلامية رصينة بالتواجد في الساحة المحلية فهذا الأمر وحده الذي سيجعل كل صحيفة صفراء تعيش على الأكاذيب تشعر بان لا وجود لها في بلد تزدهر فيه الصحافة الحرة المهنية الرصينة، فبريطانيا مثلا بها من الصحف الصفراء ما بها لكن لا احد يذكرها لأن المملكة البريطانية تفتخر بصحافتها العريقة الباحثة عن الحقيقة.
الصحافة المهنية الحرة التي تعتمد على الرأي هي وحدها التي ستكنس كل الصحف الصفراء ووسائل الإعلام التي تعتمد على الكذب والمغالطات والفبركات الإخبارية من الساحة المحلية، الدولة لن تبذل مجهودا في محاربة تلك الصحف التي تؤجج الدعوات للفرقة والتشرذم وتزيد نار التشتت والعنف حطبا، لأن الصحافة المهنية الحرة الرصينة التي تحدثنا عنها ستفي بالغرض وستعزل ذلك المرض حتى يضمحل مع الوقت لأنه سيخسر.
تلك أول ملاحظاتي وأنا أراقب ما يدور في لندن وارصده بصورة يومية، الإعلام هو العاصمة الافتراضية لكل دولة واعتقد أن البحرين بإمكانها أن تحظى بعاصمة إعلامية افتراضية من أرقى وأهم العواصم الإعلامية في العالم، فقط نحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وجرأة من بعض أصحاب رؤوس الأموال لتمويل تلك العاصمة التي أثبتت الأزمة الأخيرة أنها هامة بل تكاد تكون أهم من العاصمة الواقعية، فهذه العاصمة تسافر أينما تريد لا تكبلها عوائق الجيولوجيا أو الجغرافيا.. والبحرين تملك.