لقد سبق وحذرنا الدولة من مغبة ترك الإرهابيين والعملاء السيطرة على بعض القرى وتحويلها إلى “مقاطعات” ومناطق منعزلة عن البلد، والتحكم في مداخل القرية وسؤال من يخرج ومن يدخل. وهذا ما يسعون إليه في محاولة لاستنساخ تجارب حزب الشيطان في لبنان الذي يتحكم في منطقة بأكملها ويحكمهما...
في نهاية الأسبوع الماضي خرجت من قلعة البحرين قاصدا مدينة عيسى، وسلكت طريق قرية مجاورة للقلعة اختصارا للوقت، ويا هول ما رأيت في هذه القرية... والله وكأنني أسير في شوارع عصابات الزنوج في نيويورك أو العصابات اللاتينية في ميامي... لا يمكن أن يكون هذا المكان في البحرين...
فعلا منظر مخيف وينذر بكارثة ما لم تتحرك الدولة حالا وتنهي هذه المهازل التي في القرى.
كتابات طائفية تسقيطية على كل “طوفة”... من أول الشارع إلى آخره، حتى أبواب البيوت ملطخة بأنواع وألوان من الكتابات. ولكن الأمر الذي دعاني أكتب هذا المقال هو منظر الأطفال الصغار في هذه القرية، فقد مررت على مجموعة من الأطفال وأوقفت السيارة وسألتهم عن أقرب “طلعة” للشارع الرئيسي، فتخيلوا ماذا قال لي أحدهم وبنبرة حادة... “ اطلع من هني أحسن لييك وتحمل تجيي مرة تانية”... بينما وقف زملاؤه يحدقون في سيارتي وكان من المؤكد أنهم يبحثون عن صور لأحد الرموز ملصوقة على النافذة... وطبعا لو كنت واضعا صورة لقاموا “بالواجب” كما يفعل أساتذتهم ومعلموهم في الإرهاب!
تركتهم وواصلت السير، وكلما أصادف مجموعة من أطفال وشباب القرية أراهم ينظرون إلي باستغراب وتعجب وكأنهم يشاهدون مخلوقا غريبا عن كوكب الأرض... نظرات نارية قاسية تخرج من أعينهم، وهذا لا يوجد له إلا تفسير واحد وهو أن هذه العقول البريئة قد تم شحنها بجرعات كبيرة من الإرهاب، ويمرون اليوم بمراحل التدريب وفي الغد سيتم تخريجهم على أيادي الزعماء المحرضين.
أقسم بالله ما اكتبه ليس مبالغة، وإنما حقيقة مؤسفة... واقع مؤلم... براعم تستغل وتغسل أدمغتها إلى درجة أنهم أصبحوا يكرهون أي أحد يدخل القرية.
نحن لسنا بمحللين نفسانيين ولكننا نعرف من الخبرة ان العوامل البيئية هي الأساس في ازدياد الجرائم عند الأحداث، دون ان تتدخل في ذلك فعاليات نفسية معقدة، وان كثيرا من هؤلاء الأحداث الذين ينزلقون في طريق الإرهاب ليسوا بمصابين بأمراض عقلية او بدنية، وإنما هم ضحية ظروف خارجية متضاربة، وتتحرك فعاليات نفسية عديدة تنطلق من تلك الظروف الخارجية لكي تؤدي إلى ظهور الانحراف، لأن ما من سلوك بشري يظهر دون فعالية عقلية من نوع ما... وبطبيعة الحال ان العوامل الاجتماعية ذات الأثر في انزلاق الحدث في طريق الإرهاب والتخريب متعددة منها عوامل اقتصادية وتربوية وعائلية.
ولا ننسى ان الطفل يشبه التربة، فكما إن التربة حصيلة عدد من العوامل، منها ما هو ناجم عن التغييرات التي تحل بعناصرها بسبب الظروف البيئية المحيطة بها، بالإضافة إلى عناصرها الذاتية من مواد حيوية ومن بذور ومن تفاعلات، فكذلك “التربة الإنسانية” في فرد معين، تتألف من عوامل وراثية وعوامل بنيوية وتجارب نفسية ومؤثرات بيئية أيضا.
ومن هنا يفترض من الدولة أن تتحرك سريعا وتقضي على هذه الظاهرة المقلقة بالفعل وتسد الطريق على الإرهابيين الكبار والمحرضين، وإنقاذ هؤلاء الأطفال قبل أن يشبوا على العنف والتخريب وكره باقي مكونات المجتمع والتصديق فعلا بأنهم يعيشون في مقاطعة منعزلة عن البلد ولا تربطهم أي علاقة بكل ما هو خارج القرية.
لقد وصل بنا الحال إلى الخوف من الدخول في بعض القرى بسبب الإرهاب ووقوع القرية تحت سيطرة المخربين، نعم... سيطرة... لأن ما يحدث في داخل تلك القرى هو أشبه بما يحصل في المناطق المنعزلة التي يخاف الناس الذهاب إليها، بسبب انعدام الأمن... فسارعوا قبل فوات الأوان وقبل أن يزداد عددهم!