العدد 2188
السبت 11 أكتوبر 2014
الجهادية السلفية وذاكرة التجربة زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 11 أكتوبر 2014

لا تمثل الجهادية السلفية شكلا واحدا وبالتالي توزعت على تنظيمات متعددة عبر مسار تجربتها الجهادية، فمن الأجنحة المسلحة لحركات دينية بعينها إلى تنظيم يكون مقاتلا برمته، وعند الوقوف على التجارب الجهادية السلفية في الوطن العربي، والتي كانت منبعا أساسيا ووجود مناطق إسلامية مختلفة مثل الباكستان وأفغانستان والشيشان وبعض مناطق الفلبين والهند والصين، جعل بعض تلك التنظيمات تصبح مخترقة للحدود الدولية، وكأنها ترد على العولمة التي جاءت بها الرأسمالية لتشمل معظم أجزاء العالم المعروف.
ومن التجربة التي مرت بها تلك الحركات السلفية الجهادية ما يبرز على انه ممارسة مزدوجة فمن جهة رأينا تلك القوى السلفية وهي تدخل الجزائر في اتون حرب اهلية لم تبق ولم تذر وهي تفعل ذلك في سوريا وفي ليبيا وفي مناطق اخرى مثل الصومال وغيرها من البلاد، بينما كان الوجه الآخر للسلفية الجهادية يذهب نحو الخارج ويمارس أدواره في غير المراكز التي نبت فيها، فقد توجهت تلك الحركة الجهادية لتسخير عناصرها للجهاد ضد الاتحاد السوفيتي السابق واحتلاله لأفغانستان، ومن هناك عرف العالم تنظيم القاعدة، ومن ثم تم ضربها بعد احداث مركز التجارة العالمي وصارت مطاردة عبر العالم وكذلك حدث للعناصر التي عادت بذات العقلية تجاه مجتمعاتها، وعانت الدول التي تحركت منها العناصر الجهادية السلفية من عقلياتها التي لا تميل إلى المباحثات والحوار بل اللجوء إلى العنف كتعبير أوحد عن ما يرعب “الكفار”.
وكان لبعض الأنظمة دور في استجلاب الجهادية السلفية لبلادها، كما فعل الرئيس اليمني السابق، حيث اعترف احد عناصر الجهادية السلفية بما يشير إلى انه تم استدعاؤهم إلى اليمن الشمالي في ذلك الوقت وتم فتح مراكز التدريب لهم وتزويدهم بالسلاح والتقنيات الضرورية لممارسة الجهاد المسلح، واستخدمت تلك العناصر ضمن الحملة التي شنها اليمن الشمالي ضد الجنوب والتي انتهت بانتصار الشمال، ولكن بعد ذلك الانتصار قامت القوات اليمنية التابعة لعلي عبدالله صالح وحليفته أميركا بضرب تلك الجهادية السلفية بشدة، مما اجبر الجهادية السلفية على مقاتلة الدولة في اليمن حتى الساعة، ولم تفلح كل الضربات الجوية عبر الطائرات بلا طيار التي قامت بها اميركا لمدة طويلة من اجتثاثهم من المجتمع اليمني حيث وجدوا حاضنة لهم، وهم اليوم يجدون من يطلب خدماتهم من جديد.
واليوم نشهد تمدد تلك العناصر وتحولها من مجتمعاتها الخاصة إلى مناطق النزاع في العالم التي تقودها حركات اسلامية جهادية أو قريبة من الجهادية السلفية، وتحالف القطاعات المختلفة وإعلانها الولاء بين فترة وأخرى لتنظيمات قائمة، فقد كانت تعلن انتماءها للقاعدة من قبل ومن ثم تحولت لإعلان ولائها لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق “داعش”.
إن تجربة الجهاد بالتحالف مع الغرب وغيرها من الدول لم تُعلم تلك التنظيمات ولم تخلق لديها ذاكرة غير تلك التي تتعلق بكيفية استخدام الأسلحة المتطورة وتكتيكات القتال، ولم نعرف انها افرزت تنظيمات سياسية تعبر عنها، بل ظلت دعوتها باطنية بعيدة عن سمع وبصر الكثيرين، وذلك نابع من وجهة نظر تقول إن الذاكرة هي التاريخ الذي يقف عند فقهاء معينين، وهو نظر لا يلتفت إلى الحاضر وحركته، بينما كانوا يقبلون الجهاد في كل الأرض مهما بعدت على اعتبار أن المؤمن لا وطن له، فوطن المؤمن عقيدته، بينما بمثل هذه العقلية تقوم بتدمير التراث الإنساني كما فعلت طالبان لتمثال بوذا، وكما فعلت “داعش” لتماثيل ملك للإنسانية جمعاء، وتدمير المباني التاريخية والأثرية، وبالتالي هي ايضا بالمقابل تقوم بتدمير ذاكرتها التي تقول بنقض العهد عليهم مرارا بحيث صاروا أضحية ولعبة لمن يمدهم بالمال والسلاح من أجل تحقيق مآربه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .