تبدو لنا أميركا على البعد متماسكة تماما بالرغم من تعدد الثقافات والأقليات التي تتيح لها بنية الثقافة الأميركية القدرة على التمايز والاندماج في ذات الوقت، ورغم أن المهاجرين الأوائل إلى اميركا وضعوا نصب اعينهم ابادة الهنود الحمر على مدى النزاع التاريخي بينهم كمهاجرين وبين الهنود الحمر الذين كانوا في المرحلة ما قبل تأسيس المدن والحضارة بالمعنى التاريخي المتعارف عليه، والنتيجة هي استقرار المهاجرين وتكوين حضارة كبيرة تكاد تهيمن اليوم على رحابة الكرة الأرضية، ولكن على الرغم من ذلك تجد مجموعة من العناصر استطاعت ان تبقي وتصهر في ذات الوقت كل المهاجرين الذين تتابعوا عليها من بقاع الأرض عبر تاريخها الحديث، ولعل اهم ميزة مسألة التمييز الإيجابي للأقليات سواء العرقية أو الطائفية أو من الفئات التي تستطيع التعبير عن نفسها بشكل ايجابي، وليست مسألة التمييز لصالح الأميش، وهم طائفة مسيحية ترفض الانضمام إلى منجزات العصر الحديث وتفضل العيش ضمن شروطها الخاصة التي ينظمها القانون الأميركي باعتبارهم اقلية طائفية إلا مثلا واحدا ضمن التنوع.
وبالتالي نستشعر أن هناك اتجاها واضحا في بنية الثقافة الأميركية تعبر عن ثقافة الاختلاف واحترام الاختلاف، وتشكيل اتجاه عام وطني يعلي الوطن فوق الطوائف والأصول العرقية التي جاءت منها الاقوام الاولى المكونة للشعب الاميركي، ويبدو ان تلك البنية تقوم على مستويات متعددة من ضمنها تلك التي تسمح للولايات المختلفة بالاحتفاظ بحالة شبه مستقلة تتبع النظام الفدرالي العام، بينما لا نجد نزوعا ضمن بنية الثقافة في المستوى الاجتماعي والتاريخي ما يحاول طمس الهويات والأصول العرقية والطائفية لمختلف الديانات والأعراق التي نجدها بارزة في الولايات المتحدة الاميركية.
بينما يمكن لشخص ما المحاججة حول فترة انتعاش المكارثية ضد الحركة اليسارية في اميركا، وهيمنة الاتجاه الصهيوني على الإعلام، وانتشار الأفكار العنصرية ضد السود فيها، ولكن تظل تلك لحظات عابرة بالنسبة لمجمل التاريخ سرعان ما استطاعت بنية الثقافة امتصاص وتعديل اثر بعض ذلك الانحراف عن الايمان بحرية المعتقد فيها، بينما أبقت الثقافة على اثر الانحياز نحو الصهيونية على اعتبار تاريخي من مسألة مناهضة التمييز ضد السامية وما يتفق مع المصالح الاستراتيجية للأميركان، ولعلنا نسمع عن نعوم شومسكي وما كتبه ضد الدولة الأميركية، وما كان يكتبه الراحل ادوارد سعيد لصالح القضية الفلسطينية إلى آخر المثقفين المؤثرين في تيار الوعي الاميركي، لا نقول ان هؤلاء لم تمسسهم نار ولكنها لم تكن نارا مباشرة من الدولة، وإنما من المختلفين معهم في مواقفهم.
ولعل الشعوب الأضعف في العالم والتي ترى اميركا مثلا لها في الديمقراطية ومن بينها الشعوب العربية التي لطالما كانت الديمقراطية والحلم الأميركي شاغلا لبعض نخبها، هذه الشعوب لم تكن تتوقع ان تقوم اميركا بالتعامل مع مكوناتها بشكل مخالف، إلا ان ما حدث ومازال يحدث هو قيام أميركا بتعزيز قيم الاختلاف وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية، ودعم الأقليات ومطالبهم بالانفصال عن الدولة الأم. كل هذا ومع الوقت أدى الى تأسيس ثقافة مخالفة لثقافة قبول الآخر وغيرها واعتبار هذا الأمر من المسلمات حتى اصبح تقسيم العراق الى دولة سنية وأخرى شيعية وثالثة كردية من الأمور التي لم تعد تثير امتعاض احد بل خرج كل فريق يحمل السلاح ليدافع عما اعتبره حقا من حقوق طائفته. فهل ستصل ثقافة الاختلاف الى مرحلة بحيث سيكون من الصعب ان نطلق على البقعة الجغرافية الوطن العربي الكبير.