تستمر الحقيقة في اتساع الكذب، ويستمر الضوء مهما حل الظلام واخذ مداه، فلا شيء يعلو على صوت الحق والعدالة. ومهما تهنا في أجزاء الحقيقة وتشضيها اللامتناهي تظل الصورة واضحة أمامنا ولكننا نغمض عيوننا عن رؤيتها، فرؤية الحقيقة لا تريح البعض، ذلك الجزء المتورم من الوطن العربي، البعض الذي يرى نفسه فوق الله وفوق الوطن. الوطن العربي الذي تعاد تجزئته ويعاد تقسيمه بأسماء متعددة، الدين، الديمقراطية، العلمانية الخ، يكشف لنا التاريخ عبر مرورنا في الجانب المظلم منه ان تغير القوى العالمية يعقبه تغير الخريطة الجغرافية وتغير القسمة بين القوى الجديدة العالمية. ورغم ان الجميع يتكلم عن سايسبيكو جديدة يعاد بها تقسيم الوطن العربي بين الدول الاقوى وما تبقى من قوى عتيقة مازالت تلهث لتجد لنفسها مكانا، ورغم ان الجشع والعنف هو ما يميز هذه القوى إلا انها تلعب بشكل نظيف مع شركائها القدماء فتفسح لهم بعض الفتات وتحافظ على هيبتهم فهم اليوم يدها الباردة في التغلغل الاستعماري الجديد بعد ان كانوا هم المستعمرين والأسياد. والهدف من هذا كله ليس حبا او عطفا ولكنه دهاء سياسي، فالتغلغل الاستعماري ليس مفروشا بالورود بل له تداعيات إنسانية وحقوقية ولابد ان تتحمل هذه العاقبة الغير أخلاقية دولة ما او شخص ما. فإذا كان صدام حسين كبش الفداء في العراق ومعمر القذافي في ليبيا ومبارك في مصر واليوم هناك محاولة مستميتة ليكون الأسد كبش الفداء الجديد للأطماع المتزايدة في ثروات الوطن العربي الذي كان كبيرا، سلسلة من العنف الغير اخلاقي تقوده اميركا وحلفاؤها من جهة وروسيا وحلفاؤها من جهة أخرى الكل يسارع ليكون نصيبه من الكعكة اكبر والذ. وكل ما يدور حولنا من تفاصيل لا تخفي المصالح الصارخة للدول الكبرى وكيفية ادارتها للصراع.
الشعب العربي هو الضحية الكبرى ورغم كل ما يقوم به من ثورات وممانعة وتصد لكل مؤامرات الدول الكبرى سيظل اضعف من ان يواجهها أمام سلطات لأنظمة متآمرة واخرى ضعيفة، وأمام سد تاريخي من الجهل والتجهيل للشعب العربي الذي في قسم منه يعيش بثراء ولا يشغله إلا كيفية مضاعفة ثرائه حتى على حساب امنه القومي، والقسم الآخر يعيش يومه يلهث لتوفير لقمة عيشه ويحقد على الجانب الآخر وبينهما يضيع كل من يحمل نفس المقاومة ومواصلة النضال. وحكومات تسعى لتثبيت حكمها من خلال اللهث وراء الدول الكبرى لترضى عنها وتدعمها.
الكثيرون يطرحون السؤال الدائم لماذا الوطن العربي يقبل بهذا الاذلال، ونحن نقول لماذا الشعوب العربية ترضى بهذا وترضخ له، لماذا لأكثر من قرن من الزمان نحن نعيش حالة من الانهيار المستمر وعوضا عن ان نوجه قوتنا تجاه من يستبيحنا نوجهها لبعضا فنغرق في المزيد من الطائفية والعنصرية وفقدان الهوية. لسنا اول او آخر امة تتعرض لاستعمار او غياب الحريات ولسنا اول او آخر من يعيش تحت انظمة استبدادية. اميركا عاشت تحت الاستعمار البريطاني وعانت ما عانته، دخلت في حرب تحرير وانتصرت وخاضت حربا اهلية دامية جعلتها تتقدم للأمام وتتحول من دولة مُستعمرة لأقوى دولة مستعمرة في العالم، فكل حرب تدخلها تزيدها صلابة وقوة وتخرج منها اكثر تحكم وأكثر نفوذ. اليوم ونحن نعيش اسوأ ما يمكن من التاريخ العربي، فليس هناك اسوأ من ان ترى وتعلم كيف يلعب بك وكيف يفتت وطنك الى اجزاء صغيرة لإضعافه اكثر واكثر والقضاء على اية مقاومة مهما كانت توجهاتها، وكيف تستخدم المنظمات الدولية الإنسانية والقانونية لتدميرك وهلاكك فوق هذا عليك ان تبتسم وترحب وإلا وصمت بالخيانة والارهاب.