العدد 2194
الجمعة 17 أكتوبر 2014
العبقريات والإبداع خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 17 أكتوبر 2014

احتفلت أوروبا قبل فترة بالذكرى المئوية لأعظم شخصية عبقرية في القرن العشرين، وترددت بعض المجلات حول أهم شخصية في القرن العشرين ليتم الاتفاق حول آينشتاين، واليوم تتنازع أربع دول تابعية الرجل، ولكن الرجل تبرأ من الدول والسياسة، وحينما دعي ليكون أول رئيس جمهورية لإسرائيل رفض قائلاً: “السياسة زائلة والرياضيات خالدة”.
تعتبر النسبية من أغرب النظريات وأحفلها بالتعقيد، ولكن منها انفجرت القنبلة الذرية، وبقيت زوجة آينشتاين حتى أيامها الأخيرة لا تفهم كثيرا مما يقول زوجها.
وغرابة نظرية النسبية من ثلاث: قلب كل المفاهيم التقليدية، وكسر حواجز علوم لتندمج معاً، والوصول إلى معادلات في غاية الأناقة مثل علاقة “الطاقة” بـ “المادة”.
ولكن النظرية النسبية لم تولد فجأة من فراغ؛ بل جاءت قطوفا يانعة لأبحاث علماء اقتربوا من الوصول إلى عتبة هذا العالم الجديد، وأشهرهم الهولندي “هندريك انتون لورنتس” والفرنسي الفيلسوف “هنري بوانكاريه”.
فالأول أي “لورنتس” لفت نظره أثناء دراسته لتصرف الإلكترون أن المعادلات حتى يكون لها معنى فلابد من التلاعب بإحداثيات “الزمن”، أما “بوانكاريه” الفرنسي فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النسبية، فالرجل درس أعمال “لورنتس” بدقة ليخلص إلى نتيجة تقول: إنه لابد من “فيزياء جديدة”، ويبدو أن سرعة الضوء حاجز لا يمكن تجاوز سرعته.
وينقل الكاتب الألماني “يوهان جروله” عن مؤرخ العلوم “يورجن رين” في مجلة المرآة الألمانية “Der Spiegel” “عدد 3\ 2005م ص 135” أن كل ما فعله آينشتاين هو أنه مد يده إلى ثمرات يانعة فقطفها، وبلغة الفيزياء أنه قفز القفزة الأخيرة فانتقل من “الكم” إلى “النوع”، فالتراكم “الكمي” يقود إلى انقلاب “نوعي”، ودماغ الإنسان لم ينبثق منه “الوعي” لولا الكتلة الحرجة، والفرق في “الموروثات” بين الإنسان والشيمبانزي لا تزيد عن 1 % ولكن عند حافتها يتحدد مصير الكائن فإما خرج بشرا سويا، أو انضم إلى فريق القردة الخاسئين. كان “آينشتاين” رجلاً مغمورا، ووصف قبل فترة أنه كان مصابا بمرض التوحد “Autism” يبحث عن وظيفة مساعد في “زيوريخ”، ولكن سنة العجائب هذه رفعته إلى قمة الشهرة فتخاطفته الجامعات، كما حصل مع “سفينتي بيبو” الكوبي الذي وصل إلى علم “أحفوريات الجينات Paleogenetic”، ومن أفكاره ظهر فيلم “جوراسيك بارك”. وكما حصل مع الفيلسوف “إيمانويل كانط” الذي دفع وهو على حافة الستين أجمل إنتاجه في وقت متقارب “نقد العقل الخالص ـ نقد العقل العملي”، و”جون لوك” الذي دفع في سنة واحدة ثلاثة كتب منها ليصبح خالداً في علم الاجتماع السياسي “أهمها رسالة في التسامح الديني”، و”ابن خلدون” حصل معه شبيه بهذا في كتابه “المقدمة” التي وصفها بـ “الحكم القريبة المحجوبة”؛ وهي مقدمة لكتاب في التاريخ اشتهر بمقدمة سجعية طويلة “ديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والبربر والعجم ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” لم يستفد منها أحد، ولم يعول عليها باحث، أكثر من نظرة بسيطة على طريقة كتابة التاريخ في تلك الأيام؛ فهو في المقدمة أبدع وفي كتابة بقية العمل أمحل، المقدمة كعمل إبداعي ولكن ما أكمله كان تقليديا بحتا، أو هكذا أزعم.
فلم تأت أفكار ابن خلدون من فراغ بل كانت ثمرة تخمر طويلة قطفها ابن خلدون، فغيره زرع وهو قطف الثمرة؛ ليعتبرها المؤرخ البريطاني “توينبي” “أنها أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل في أي زمان ومكان”.
مع هذا فهناك شكوك تحوم حول النظرية النسبية فقد تقدم “ادوارد ويتكر” قبل موت آينشتاين بمراجعة شاملة للنظرية، ليصل إلى القول إن فكرة الزمان ـ المكان هامشية جداً.
وعرضت قناة ديسكفري برنامجاً عن العالم “نيمتس” من “كولن” في ألمانيا أنه توصل إلى ما هو أسرع من الضوء خمس مرات، وهذا ينقض حجر الأساس في النظرية النسبية التي اعتبرت سرعة الضوء ثابتة، وأن كل تجاوز له يخلق استحالة رباعية: استهلاك طاقة لانهائية، وزيادة الكتلة إلى اللانهاية، وانضغاط الطول إلى الصفر فلا تبقى أبعاد ثلاثية للموجودات، ويتوقف الزمن.
وهذه طبيعة العلم أنه ينمو بالحذف والإضافة.
ويبقى السؤال لماذا آينشتاين تحديدا هو الذي كتب الله على يديه هذا الفتح المبين؟ والجواب يأتي من عدة أمور، لعل أولها طبيعة هذا الرجل السيكولوجية حيث كان يعيش طفولة دائمة لا تنقطع، ويحب العزلة، ولم يأت الوحي للرسل لولا غار حراء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية