الحج سلام ولجم للعنف حتى بالقول؛ فإذا فرض الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال. آلية العنف تعتمد كسر إرادة الخصم، وآلية اللاعنف تعتمد ليس إلغاء إرادة الآخر، بل اجتماع الإرادتين وتعاونهما. آلية العنف تعتمد مسح الآخر وتهميشه بل وتحطيمه والسيطرة عليه وإلغاءه بالكامل، في طيف من مشاعر الغضب والحقد والكراهية والانتقام، في ساحة التدمير والدم والقتل والأذية المتبادلة والحرب والنار واللهب والدموع وميادين الحروب بما فيها الأهلية، وآلية السلم تحافظ على الآخر وكل ما تريده هو إيقاظ ضميره.
إن قصة القربان الموجودة في القرآن في الصراع الذي نشب بين ولدي آدم يروي لنا أسلوبا جديدا في حل المشاكل، فالطرف الناجح تنازل عن القوة من طرف واحد، وأبدى استعداده ليس أن يقتل الآخر بل أن يموت دفاعاً عن الموقف السليم.
إن عدم الدفاع عن النفس يحول المهاجم من بطل إلى مجرم، فينسحق تحت شعور الجريمة، إلا أن يغير موقفه فيندم ويتوب، ويكون بذلك من مات قد نقل الحياة إلى أفكاره فكسبت الخلود، وتحول القاتل بعد التوبة إلى جندي جديد لفكرة المقتول ظلماً. وهذا تكتيك لا نستطيع فهمه في ثقافتنا التي تفيدنا في رد الصاع صاعين والسيف أصدق أنباء من الكتب. مع وجود النصوص الكثيرة في هذا الاتجاه، ولكن العمى الثقافي وضغط الوعي الانتقائي يجعل المرء لا يفهم الأشياء.
الحرب الأهلية السودانية التي كلفت ربما مئة ألف ضحية، أو “اللبنانية” التي كانت ظاهرة تحلل كامل، وانتحار داخلي عجيب، فلم يبق اتجاه أو دين أو فصيل أو حزب أو طائفة، في كامل تركيبة الفسيفساء اللبنانية إلا وتفجرت وتناثرت في الهواء، وامتدت يد القتل إلى كل فريق، سواء من الأطراف المختلفة أو ضمن نفس الفريق، في رحلة اتجاه نحو الجنون المطبق.
إلا أنه على الرغم من سيل القرابين البشرية فإن هناك “بانوراما كونية” تسيطر على الرؤية، فالكون بدأ في الاستجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، فبدأ العالم يدخل مرحلة السلام ويودع آلهة القوة الكاذبة، وكان الانعطاف التاريخي في صباح السادس عشر من يوليو عام 1945م عندما جربت القنبلة النووية للمرة الأولى ووضع الإنسان يده للمرة الأولى على قوة استعار النجوم وتوقدها الذري، ولكننا لا نفهم هذا التطور الكوني العالمي لسببين، أننا فقدنا وظيفة (الشهادة) فنحن لا نعرف ماذا يحدث في العالم، ثم لا نعرف هذا العالم لأننا لم نشترك في صناعته، وأما مظاهر الحروب المشتعلة في العالم فإن إحصائية بسيطة تظهر أنها حروب تقع في مناطق التخلف في العالم، وأن الذي يملك العلم والتكنولوجيا وأسرار الأسلحة وتقنياتها الرفيعة وإنتاجها وتطويرها كف عن خوض الحروب، وأوروبا التي ذاقت مرارة الحرب وتجرعت كأسها حتى الثمالة توقفت عن الحرب بشكل نهائي، والعداء الفرنسي الألماني التاريخي المشهور استحال إلى وحدةٍ اليوم، فالعالم الأوروبي يتحد بدون أن يخسر أحد مالاً أو زعامة أو أرضاً، ولا يهجم أحد على أحد ليوحده بالقوة، وأوروبا تتحد اليوم ليس بطريقة هتلر أو نابليون.
إن التطور العالمي في مفهوم القوة وصل إلى ثلاث حقائق أساسية: الأولى بتوقف السير في طريق القوة، ومعها بطلت مقولة العسكري الألماني السابق كلاوسفيتز من أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
والثانية: من يمتلك العلم والتكنولوجيا والقوة العسكرية أدرك طبيعة هذا الانقلاب النوعي؛ فكف عن حل مشاكله بالقوة فلم تعد تحارب السويد في أوروبا كما فعلت في حرب الثلاثين عاماً، وبدأت أوروبا في التوحد بدون السيف ونظرية البطل الملهم وعسكرتارية بسمارك.
والثالثة: حروب العالم اليوم هي حروب المتخلفين الذين لا يملكون لا التكنولوجيا المتطورة ولا قاعدتها العلمية فضلاً عن المناخ الديمقراطي الذي يشكل القاعدة العلمية ويفرز أدواتها التكنولوجية.
ولكن المشكلة في مرض التخلف أنه صفة وراثية مثل قصر القامة لا توجع أحداً ويبقى حاملها آخر من يعلم بها أنه قصير، وإذا علم بها فإن مشكلته غير قابلة للحل لأن مصير الضآلة مكتوب في الكروموسومات.
إن معالجة التخلف بامتلاك السلاح كمن يعالج قصر القامة بامتلاك بذلة طويلة، أو تقليد صعود الجبل بتسلق ظله.