العدد 2160
السبت 13 سبتمبر 2014
لا تقرأوا هذه المقالة؟ (2) خالص جلبي
خالص جلبي
السبت 13 سبتمبر 2014

أذكر تلك الأيام جيدا وذلك المنام العجيب الذي جاءني بعد أن ختمت القرآن، ورجل يصلي بنا ثم يتضرع إلى الله بطريقة مزلزلة خاشعة بتعبير “دخيلك يا الله”... جاء الفرج.
ومازلت أذكر تلك الآية العجيبة التي انفتحت لي وأنا أقرأ من سورة الزخرف في آخرها أم “أبرموا أمرا فإنا مبرمون”.
هنا نزل علي البرد والسلام والطمأنينة من كل خوف. كانت جحيم دانتي حاضرة بما يخجل دانتي عن وصفه، ولكن حافظ الأسد وعصابته وذريته من بعده كتبوا ذلك في قدر نحس على الشعب السوري، وها قد مضى الأب إلى ربه، ولاحق الوالد وما ولد، فهو سائله عن كل تلك الآلام؟
في لحظة غضب جاء مدير السجن فأفرغ 14 رصاصة في رأس 14 معتقلا سياسيا بضربة قاتلة وحيدة في القفا، لأنه بزعمه تلقى تهديدا من مجهول فقال هذا جوابي.
ومن قصص الكتاب ذلك الطبيب الذي قتل 14 زميلا من دورته، منهم اثنان بطريقة الخيمة أو الباراشوت، حيث يمسك خمسة من الأوغاد بأربعة أطراف وخامس بالرأس، ثم يطوحونه في الهواء فيهوي على وجهه ويكررونها؛ حتى موت الضحية.
كان القتل مسموحا به لكل جندي ورقيب ومحقق بأية طريقة.
كان سجن تدمر حدا فظيعا لم يصل لحافته النازيون والفاشيون وستالين وبيريا وبول بوت وتيتو وناظم كزار وحمزة البسيوني في ليمان طره.
ومن أعجب القصص الموجودة في الكتاب اثنتان: ضابط يتقيأ حين يرى أول مشاهد وجبات الإعدام في المشانق الطيارة “لا يتقدم المحكوم إلى المشنقة بل هي تأتيه فتنثره في الهواء فيسلم الأمانة” وبعد عدة أشهر يتحول نفس من تقيأ حين جاء إلى هذه الأمساخ فيعامل الجثة المشنوقة المعلقة مثل كيس الملاكمة فيلكم وهو يضحك!
والثاني قدرة التحدي في هؤلاء المعتقلين، أن يقوم فريق من الأطباء بإمكانيات هزيلة يخترعونها من هنا وهناك فيجرون عملية استئصال زائدة دودية لأحد المساجين المنكوبين.
إنه كتاب يخلد حقبة سوداء جهنمية من نظام البعث، والسقوط الإنساني، والتردي الأخلاقي إلى أسفل سافلين.
الخالة نور استطاعت وبعد ضغط جمعيات حقوق الإنسان أن تحظى بلقاء ابنها مرة واحدة بعد خمس وعشرين سنة، وبقيت تحلم بخروجه إلى الحرية، ولكن روحها خرجت ولم يخرج!
رحمة الله عليك خالة نور كنت مثال اللطف والصبر. لم أرك تبكين أو تشكين أو تتذمرين. قالوا لي “ضيعت” في آخر عمرها، هل هو من الحزن الكتيم الدفين أم شيء آخر؟.
نحن الأطباء نعرف عن الثنائية في جسم وروح الإنسان، وانعكاس كل واحد على الآخر سرورا وكمدا.
إنه تكيف وانقلاب الإنسان المحير، ألا لعنة الله على الظالمين.
وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
هل نفهم الآن الجذور البعيدة للمذبحة السورية الحالية، إنها من تلك المذبحة القديمة؛ فالحدث هو دوما في علاقة جدلية فهو نتيجة لما قبله وهو سبب لما بعده... أليس كذلك؟ وكان ربك على كل شيء مقتدرا.
ألا ليس أمام السوريين اليوم إلا طريقين لا ثالث لهما: الحرية أو العبودية! وعليهما أن يختاروا بعد أن تمردوا فإما مصير سبارتاكوس أو مصير أهل قرطاج بعد حرقها.
يقول التاريخ إن سبعة آلاف مقاتل استسلموا بعد مصرع سبارتاكوس عام 70 ميلادية صلبهم جند الرومان على طول الطريق حتى روما عظة وعبرة لكل من يفكر في الثورة والتمرد؛ فأصبحوا أسطورة في الزمن، وحلت لعنة التاريخ على جند روما حتى آخر الزمان فمن ربح ومن انهزم؟
كمية الأفلام التي تم تصويرها كثيرة عن سبارتاكوس والحرية والعبودية؟
في ظلمات الحرب الكونية الأخيرة وقف تشرشل يذكر أهل لندن بأهل قرطاج وصمودهم في وجه روما عام 164 قبل الميلاد حتى فني 450 ألفا من أصل نصف مليون ساكن، لتلك المدينة العالمية، ومن بقي منهم خمسون ألفا أخذوا عبيدا إلى أهل روما المترفين الفاسدين الداعرين.
مازالت آثار قرطاج حتى اليوم تحكي آثار الدمار كما سيكون ذلك في باب عمرو في حمص وربما حلب أيضا لا ندري.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية