العدد 2152
الجمعة 05 سبتمبر 2014
بكيت في كتاب “القوقعة” خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 05 سبتمبر 2014

بكيت في كتاب “القوقعة” مع بكاء والد الشهداء الثلاثة أسعد وسعيد وسعد، وضباط الإعدام يضحكون عليه “حجي.. حجي أيهم تريده أن يعيش؟” ما ذكرني بفيلم “الاختيار The Choies” الذي مثلته الممثلة المشهورة “ميريل ستريب”؛ حين خيرها النازيون في أحد ولديها؟ من للإعدام ومن للموت؟
النازيون والفاشيون والصهاينة لا يصلحوا أن يكونوا تلامذة متواضعين في مدرسة البعث الطائفية.  هنا كان الوالد الحلبي السوري مخيرا بموت ثلاثة من أربعة. قائمة الموت تضمه مع أولاده الثلاثة!  رضي الرجل؟ وفضل أن يموت هو وأكبر أولاده المتزوجين الاثنين؛ أسعد وسعيد وينجو الصغير “سعد” غير المتزوج؛ فلما حانت ساعة الإعدام؛ أخذوا جميعا أسعد وسعيد و”سعد” وهو مصاب بلوثة عقلية يخاطب الرب أين أنت؟
لم ينجو الصغير سعد الذي وعدوه به؟
إن إعدام هؤلاء الثلاثة أدخل اللوثة على عقل “نسيم” صديق خليفة في السجن وتوأمه الروحي؛ فلم يتعاف منها إلا بالانتحار لاحقا كما سنرى.
إنه يذكرني أيضا بسجن جزيرة الشيطان “Devil’s Island” الذي تفتقت عنه عبقرية نابليون الثالث، واشتغل بكامل الطاقة أكثر من نصف قرن، قبل أن يذاع أمره للعالم بهرب أحدهم، ومعهم صور الجحيم في غويانا الفرنساوية، وهذا له حديثه المستقل. بالمناسبة فإن بعضا من نزلاء السجن الذين خرجوا لم يطيقوا الحياة فانتحروا! لقد عرفوا أنهم أصبحوا مقبرة كبرى، كما يقول خليفة. أو بتعبيره الدقيق إن أحدنا تموت منه أجزاء مع فقد الأحباب بالتدريج. إنه تعبير بليغ جدا يعرفه الكليم؟ أنا ذقته مع خسارة توأم روحي ليلى سعيد؟
بعد أن بكيت وجففت دموعي وأمسكت قلبي وقلت كما حدث معي مع قصة “آخر الراحلين” حين كنت أقول هل انتهت المأساة أم مازالت هناك أمامنا فصول جديدة علينا أن نبكي فيها من جديد. كان الفصل خلف الفصل ينقلني في جحيم دانتي عن نهاية شعب “الوبيخ” القفقاسي؟
كنت أقرأ الكتاب من “الآي باد” فليس ثمة نسخة ورقية، تعجبت من الجراح الذي أطلعني على الكتاب كيف مازال متماسكا لا يمسح دموعه؟ يبدو أن الناس يتفاوتون في التأثر والارتكاس. أذكر هذا جيدا من فيلم المريض الإنجليزي، كم سالت دموعي وكيف كانت نسرين الجارة تراه بدون دمعة. قلت لبناتي الخمس من لم يبك في قصة آخر الراحلين له مني مكافأة؟ قلتها وأنا أمسك قلبي؟ وكان الجواب كما توقعت فليس من قارئ إلا وسالت دموعه على الخدين شآبيب. أما قصة القوقعة فهي مصيرنا نحن السوريون الذين ولدنا في هذه الأرض الملعونة المسماة سوريا لنتعلم أن الجحيم موجود لاريب فيها ولاشك؟ مرحى لك حافظ الأسد وعائلة الأسديين؟
ثم بكيت من جديد حين قام يصلي صلاة الجنازة على والده بعد خروجه من السجن، وهو أي المؤلف “مسيحي” خليفة، ولكنه قرأ الفاتحة على قبر والديه، اللذين تركهما أحياء، ورجع ليراهما قد أصبحا تحت التراب.
قرأ الفاتحة على روح والديه، ثم قام فصلى عليهما صلاة جنازة المسلمين بأربع تكبيرات.  أخيرا بكيت وللمرة الثالثة من جديد بأشد، مع صفحات الكتاب الأخيرة وهو يروي انتحار توأم روحه “نسيم” الذي كان معه في السجن؛ فلما اجتمعا خارج السجن قال له انتظر دقائق قليلة فعندي هدية لك، ثم ألقى بنفسه من الطابق السادس وهو يقول خذها مني. كانت هديته موته. يا لطيف يا لطيف ربي رحماك؟
هذا الكتاب الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية، يجب أن نتناوله بفصول وحلقات لو أمكن، وأتاحت مساحة الكتابة، ولكنها تراجيديا أصابتني بالصدمة؛ فغشي بصري في تفسير هذه السادية المفرطة، في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان.
أعترف للقارئ أنني قرأت العديد من كتب السجون والمساجين بما فيها “فيكتور فرانكل” من مدرسة “علم النفس الإنساني” الذي دخل سجن آوسشفيتز “Auschwitz” الرهيب وخسر زوجته هناك.  لقد خشيت زوجتي رحمها الله قبل أن تفارقني في أرض كندا وثلوجها، خشيت علي وأنا أقرأ قصة “الإنسان يبحث عن المعنى” لمعرفتها أن الكتاب سينكأ جراحي طالما كنت من “أصحاب السوابق ونزيل حبوس؟” ولكنني قرأته.
أصبت بصدمة مزلزلة وقعت تحت تأثيرها أياما ومازال هذا الكتاب ونظائره مدموغا في الذاكرة.  من هذه الكتب أيضا كتاب الرايس المغربي “تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم” في سجن تزمامارت لمجموعة من العسكريين بلغوا 58 شخصا فمات من المهجعين بعد عشرين سنة 28 فردا، ولكن في كتاب خليفة الرائع مات آلاف لا يحصيهم كتاب ويضمهم سجل.  كانوا يضربون ويذلون كل يوم ومع كل مخالفة 500 جلدة. جاعوا حتى العظم. وأهينوا على يد أبالسة الجحيم. أصيبوا بالسل والجرب والقمل. في سنة كاملة كان يأكل أحدهم ثلث رغيف في يوم كامل يقسمه ثلاثا. ذكرني بكتاب “فرانكل” عن آوسشفيتز حيث كانت الاجتهادات تتراوح بين أكل مزعة الخبز هذه مرة واحدة بمتعة؟ أم المحافظة عليها ومضغها بلطف لساعات؟ مع هذا فلم يعذب النازيون اليهود بما عذب البعثيون خصومهم في تدمر.
خليفة في حفلة استقباله ضرب حتى حافة الموت، ومات في حفلة الاستقبال ثلاثة لحقهم عشرون متأثرون بجراحهم.
أقسم لي أردني وقع تحت أيديهم وقرأت مذكراته التي لم تنشر، أنه في حفلة الاستقبال ضربوا منذ الصباح حتى ما بعد الظهر.
كان أحد الضاربين يمسك عصا غليظة بيدين من هول حجمها. خليفة روى عن جدائل المعدن المجدولة كسياط. الأردني قال سقط من أصل 41 شخصا واحد فدخلوا السجن كلهم، عجيب هذا الكائن المسمى الإنسان أليس كذلك؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .