يأتي الآن وصف شوارع سوريا بعد النكبة البعثية أذكرها بشيء من التصرف: “توقفت الخدمات الأساسية فامتلأت الشوارع بأكوام النفايات، وانقطعت المياه والكهرباء عن قصد كشكل من أشكال العقاب الجماعي. أغلقت واجهات المحلات وقصفت وتحطمت وفرغت. نخرت القذائف جدران الأبنية. باتت الشوارع مهجورة وامتلأت بالركام وآثار متفرقة لبقع الدم، (تذكر بأنقاض ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية). انتشرت الحواجز الأمنية في كل مكان. راحوا يفتشون المارين الذين يصلون ويدعون مبيضة وجوههم من الذعر أن لا تكون أسماؤهم من جملة المطلوبين خصوصا لفرع المخابرات الجوية (يروي السفير السوري السابق في العراق أن جميل الحسن رئيس المخابرات الجوية كان يحقق مع اثنين من المحامين حين بلغه تعرض إحدى الدوريات لهجوم فما كان منه إلا أن قتل الاثنين فما فائدة التحقيق مع الإرهابيين بزعمه؟ وروى لي طبيب علوي في عسير عن نفس هذا المعتوه أنه اقترح على السنور الصغير تبديل النسبة الديموغرافية في سوريا لمصلحة العلويين فتصبح الأكثرية “التعداد 23 مليونا منهم 18 مليونا من السنة و2 مليون علوي والبقية أقليات”. أخذت شاحنات مملوءة بالجنود وعناصر الأمن تتوجه إلى المناطق الساخنة؛ بل إن الطرق تفرغ أحيانا إلا من آلياتهم. ظهر قطاع الطرق والمجرمون من الطرفين لابتزاز الأموال من المدنيين بطريقة جديدة كليا عن بشاعة الانتفاضة نفسها. انسحب الناس من المدن. هجرت البيوت وهربت العائلات، قرية بير عجم التي كان يقطنها داعية السلام جودت سعيد أصبحت أنقاضا بقذائف النظام، وتسلل عناصر الجيش الحر، بما فيها مسجدا القرية القديم والجديد، كما قتل أخوه محمد، ولاحقا “وائل قزنج” من الشراكسة حيث سلبوه بيته وسيارته ثم اقتادوه فأوثقوه وقتلوه فتسلمت أمه الجثة فهذا ما بقي منه على يد الجيش الطائفي. كما أن الفيلا التي بنيتها أنا في الجولان استعدادا للتقاعد استولى عليها جيش “أبوشحاطة” أي “النظام” وقصف سقفها القرميدي من جهتين، ونهبت كلها بما فيها الأبواب ودرابزين السلم الخشبي، ولكنني تعجبت كيف نسي جنود الجيش العربي الباسل في هروبهم السريع حمل نوافذ البي في سي الثمينة؟”.
توقفت السياحة عمليا ولم يعد ممكنا استخدام بطاقات الائتمان. تراجعت حركة التبادل والتجارة تراجعا حادا وتدهور سعر صرف الليرة السورية ثلاثة أضعاف. خفضت معاشات القطاع العام إلى النصف بهدف توجيهها صوب عصابات الأمن. ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمحروقات بشكل جنوني. اختل القطاع الزراعي على نحو حاد. فيما شحت المواد الغذائية الأساسية وأقفلت المدارس. ونسفت المواقع الأثرية لبلد مرت عليه حضارات وغزاة وطغاة. وأصبح القتل والاختطاف والفدية مهنة يومية من جهات لا تعرف. “روى لي صديقي الدكتور معاذ عن قريبه جراح زرع الأعضاء أن ابنه اختطف مقابل فدية 15 مليون ليرة سورية ما يعادل مئة ألف دولار فباع بيته بـ 18 مليون ليرة دفع منها 15 وهرب مع العائلة إلى لبنان فهو يتعيش بالرمق على ما بقي من ثمن البيت بعد الخطيفة”.
يقول صاحب كتاب سقوط مملكة الأسد الكثير من أصدقائه ممن يعرف انقلبوا فريقين متعاديين. وتدفقت من الأرض عشرات الأحزاب الحقيقية والوهمية والمرتزقة والمشتراة من المقاتلين والمنافقين والمجرمين بأسماء حقيقية ووهمية.
يتعجب الرجل أولا من التحول الذي أصبح عليه شاب بسيط وطبيب عيون أصيب بحسر البصر التاريخي فوقع في الحفرة.
جاء في الإنجيل أعمى يقود أعمى... كلاهما يقعان في الحفرة.