العدد 2131
الجمعة 15 أغسطس 2014
حين يقود الأعمى أعمى؟ (1) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 15 أغسطس 2014

يصف “ديفيد ليش” صاحب كتاب سقوط مملكة الأسد النظام البعثي العبثي الطائفي المافيوي فيذكره بما يلي “نظام الأسد رمز للركود والسيطرة وهو ليس مصمما للاستجابة لمطالب الناس بل السيطرة على مطالب الناس. هو نظام مصمم ليس للقيام بالإصلاحات بل هو مصمم للحفاظ على الوضع والبقاء. والإصلاح الأعمق والأسرع يعني نهاية النظام. كما أن الإصلاح السريع يعني العمل ضد الغرائز الأساسية للنظام المتسلط الأبوي الجديد” “ص281”.
لقد ضل الأسد طريقه في مكان ما أمام غطرسة القوة، وحسب أيمن عبدالنور أن من حوله نفخوا فيه الأنا “EGO” حتى تغير كليا.
من الملفت للنظر أيضا أن المسافة الزمنية بين تولي الأسد الأب والابن وبين حفلات التدمير كانت 12 سنة على وجه غريب؛ فالأب مسح نصف مدينة حماة، وكان خطأ منه أن لم يدمرها كليا ويزيلها من خارطة الوجود، كما فعل روما مع قرطاج بعد معركة زاما؛ فهي مخالفة شنيعة لقانون روبرت غرين الذي ينص على سحق العدو كليا فلا يبقى جمر تحت الرماد لحريق قادم في المستقبل ونفوس مستعدة للثأر ولو بعد حين. أما الابن فقد كان ابن أبيه فعلا فإذا كان الأب بعد استتباب الأمر له بعد عقد ونيف قد مسح مدينة فالابن يقوم بتدمير البلد كله ولم ينظف بعد الأرض من العصابات الإرهابية.
يقول روبرت غرين في كتابه القوة المترجم إلى كيف تمسك بزمام القوة تحت 48 قاعدة ـ بزعمه ـ مثل لعبة الشطرنج “Power – Robert Green” (لقد عرف كل القادة العظام منذ موسى عليه السلام أن العدو المرهوب يجب سحقه بصورة كاملة وكانوا يتعلمون ذلك أحيانا بالطريقة الصعبة والتجربة المريرة؛ فإن أنت تركت جمرة واحدة مشتعلة مهما كان احتراقها داكنا خافتا؛ فإن نارا ستندلع منها آخر الأمر؛ فالتوقف في وسط الطريق يؤدي إلى خسارة ما هو أكثر مما لو كانت الإبادة كلية، فالعدو سوف يتعافى وسيبحث عن الانتقام فاسحقه، لا جسديا فحسب بل في الروح كذلك).
يرى محللون أميركيون أن إصلاح النظام هو استخراج الدم من الحجر، أن تصلح نظاما مركبا بالأصل على خلاف ذلك في الذهنية والمؤسسات بل ومن الناحية الآلية.
لقد رأت آن آيبل باوم “Ann Appelbaum” أن هناك شرطين أساسيين للتحول من الديكتاتورية إلى الديمقرطية نخبة تتنازل ونخبة جاهزة للتلقي.
لقد كتب جورباتشوف في كتابيه الجلاسنوست والبيروستريكا عن شيء من هذا القبيل، ولعل المؤرخ البريطاني توينبي أبدع في تصوير مثل هذا التحول فقال “يشبه تبادل الخيول لرهط يعبرون منحدرا مائيا شديد الوعورة والتدفق”. ويبدو أن كلا من هذين الشرطين في دولة المخابرات الأسدية غير موجودين فقد تم قتل روح الأمة في نصف قرن من الاستبداد العاتي.
وفي ضوء مزيج من التشاؤم والتفاؤل “إرادة أمة تريد التحرر ونظام دموي مدعوم بحلف حديدي يقاتل حتى النهاية” يطرح السؤال: سوريا إلى أين؟ وهل ثمة تصورات عن بعض سيناريوهات المستقبل؟ هذا مع العلم أن الغيب بوابة مغلقة تتكسر عند أقدامها قوانين الفيزياء بتعبير “ميشيو كاكو” في كتابه “فيزياء المستحيل”.
هنا نقتبس ثلاث أفكار من ديفيد ليش صاحب كتاب سقوط مملكة الأسد الأولى عن “فجوة المفاهيم” وأين وصلت سوريا؟ وأخيرا سيناريوهات السقوط المدوي؟.
يتحدث الرجل ناقلا عن فيلسوف ألماني مفهوم رؤية العالم “Weltanschauung” فيقول عن انطباعاته في لقاء رجال دولة المخابرات والمنسق الأمني الأعظم الأسد بتعبير ميشيل كيلو ان هناك فجوة في المفاهيم ورؤية العالم “يأتي معظمنا نحن المراقبون من الخارج من عالم مختلف بالتأكيد ونمتلك نموذجا مفهوميا يتفاوت في صورة واضحة مع مفهوم القيادة السورية. والاعتقاد أننا في وسعنا الوصول إلى تفاهم مشترك والعثور على طريقة سلمية للخروج من الورطة “وهم أكثر مما هو حقيقة”؛ فالمناظير التي تتم من خلالها رؤية العالم متجذرة من خلال تجارب مختلفة في شكل كبير من المفاهيم المسبقة والتواريخ والآيديولوجيات وتواجه صعوبة فائقة في التكيف مع بعضها البعض”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .