أنواع الإنسان المنتصب التي ظهرت على وجه الأرض كثيرة، زادت عن عشرة. انقرضت كلها، وبقي الإنسان العاقل المعروف بالهومو سابينز. وآخر نوع انقرض منها قبل 27 ألف سنة هو إنسان نياندرتال الذي كشف عام 1856 للمرة الأولى عند مدينة دسلدورف الألمانية.
وكانت التقديرات الأولية لظهور الإنسان العاقل (الهومو سابينز) تعود إلى حوالي أربعين ألف سنة، وهو الكائن الثقافي الناطق، الذي استخدم الأدوات والحلي والموسيقى واعتنى بطقوس الميت ورسم الحيوانات على جدران الكهوف، ولكن الكشوفات الحديثة في ألمانيا التي أعلن عنها (ديتريش مانيا) دفعت الرقم إلى عشرة أضعافه، فقد كشف عن 28 جمجمة وفك سفلي وتسعة أسنان تعود إلى 370 ألف سنة؟!
وكلها تفيد إلى وجود إنسان استخدم الأدوات، وطارد الوحوش، وواجه السباع، وقتل الماموت، وتغذى بلحم الضواري.
وفي نهاية عام 2007م استطاع فريق (سفينتي بيبو) من جامعة لايبزيج في ألمانيا، أن يفك ثمانية ملايين من أزواج الأحماض النووية من 4 غرامات من بقايا عظام إنسان نياندرتال، الذي عثر عليه في كهف (فينديا Vindija) في كرواتيا، عاش قبل 38 ألف سنة.
وإنسان نياندرتال كان آخر موجة اختفت من وجه البسيطة من نماذج الإنسان العاقل؟
وقصة عمر الكون وتاريخ الأرض، أو وجود الإنسان على الأرض أثارت خيال الناس؛ فمنذ متى وجدت الأرض؟ ومتى خلق الكون؟ ومنذ متى مشى الإنسان على الأرض؟ والأهم هل الإنسان القديم هو نفس الإنسان العاقل الثقافي الذي ننتسب إليه؟
ويعتبر كتاب دارون حول أصل الأنواع والإنسان، هو حجر الزناد في قدح
الأفكار، حول منشأ الحياة والإنسان، والرحلة التطورية، ونشوء علوم جديدة مثل علم الإنسان (الانثروبولوجيا) أو علم طبقات الأرض من الآركيولوجيا والباليونتولوجيا.
وعندما طرح (تشارلز دارون) آراءه في عامي 1859 م و1871م قامت ضجة كبيرة بدون مبرر، وكان ذلك بعد رحلة سفينة البيجل التي أوحت إليه بأفكاره، حول وجود الكائنات، وآلية تطورها من خلال الانتخاب، لأن العلم يعدل نفسه بنفسه. ولو كانت الأفكار حول طفرة الجينات التي كشفتها (باربارا مك كلينتوك) من نيويورك، وكذلك قوانين مندل في الوراثة معروفة، لتم استقبال الأفكار بهدوء علمي أكثر، فليس أعظم من العلم ولا أروع من السلم.
ودارون لم يتكلم عن الخالق، بل عن الخلق وطبق الآية القرآنية؛ فسار في الأرض فنظر كيف بدأ الله الخلق.
والأفكار الفلسفية حول هذا الموضوع قديمة وجريئة، مثل الذي جاء في مقدمة ابن خلدون، عن تحول الأنواع، وأن آخر مستوى في النوع عنده استعداد أن يتحول (ذلك التحول الغريب) إلى أفق المستوى الذي بعده، وطبق فكرته هذه على الجماد، ثم الحياة من نبات وحيوان، ووصولا إلى الإنسان.
ولكن هذه الأفكار ماتت في ثقافتنا وتم إحياؤها في ثقافات أخرى.
مع هذا فالفكر الفلسفي ليس مفتاح الوصول إلى حقائق الأشياء، بل اعتماد أساليب جديدة لكشف الحقيقة، أي فهم لغة جديدة حروفها ليست نطقا هجائيا بل حديثا من نوع آخر، كما عبر عن ذلك غاليلو أن الطبيعة مطبوعة بلغة رياضية خاصة؛ فإذا فهمناها استطعنا قراءة لغة الكون وفهمها بسهولة، أو هكذا خيل له؟
والقرآن يقول عن الأعضاء أنها تتحدث يوم القيامة (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) كما يقول القرآن عن الأرض يوم الزلزلة أنها ستتحدث بحديث مختلف (يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها).
وحينما يتحدث القرآن عن الوحي يقول أنه موجود في عدة مستويات بما فيها حديث النحل؛ و(أوحى) ربك إلى النحل، و(أوحينا) إلى أم موسى أن أرضعيه؟!.
أي أن الوحي ظاهرة كونية، ولكنها متعددة الصور والتجليات، كما يقول الفيلسوف محمد إقبال.
وحتى الحديث يشير إلى الوحي النبوي أنه كان بأشكال (وأشده ما كان من نوع الجرس).. وفي القرآن (إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء).
وكذلك الحال في لغة الأرض التي تم استنطاقها حاليا، فدلت على رحلة الإنسان التطورية عبر ملايين السنين.
وعبر عن هذه الفكرة بشكل آخر المؤرخ البريطاني (هـ. ج. ويلز) في كتابه (معالم تاريخ الإنسانية)، حينما اعتبر أن الجواب عن هذه الأسئلة لا يأتي من الكتب بل من الأرض.
ويعتبر (سجل الصخور) هو الوثيقة التي تنير الطريق لمعرفة مثل هذه التطورات المفيدة. وهي رحلة شاقة للغاية فقال:
“إن صخور العالم ليست طبقات مرتبة إحداها فوق الأخرى ترتيباً ييسر على الإنسان جهد قراءتها، فهي لا تشبه الكتب ولا الصفحات في أية مكتبة، بل هي ممزقة مهلهلة مقذوفة مقطوعة أو مدفونة هنا وهناك، قد زالت معالمها، فهي اقرب شيء بمكتب عمل سيء النظام، بعد أن أصابته على التوالي قذائف المدافع، وعبثت به يد احتلال عسكري معاد، ونالت منه يد السالبين، وصدعه زلزال وأصابه شرر فتنة عنيفة، واشتعلت به النيران، ولبث الناس يطئون سجل الصخور ذاك وهم لا يشعرون به مدى أجيال لا تحصى”.