العدد 1669
الجمعة 10 مايو 2013
النطق مقارنا للحق خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 10 مايو 2013

إن أهمية اللغة كما يقول (بيتر فارب) في كتابه (بنو الإنسان) أنها (نظام مفتوح) إلى اللانهاية.
وإذا كانت مخارج الحروف تتراوح في اللغات بين 12 و60، فإن الحنجرة الإنسانية تفعل ما هو أجمل من (الأورج) فيمكن أن تصدر آلاف الأصوات. كما أن اللغة هي أداة (الترميز)، وهي التي عنتها الآية:
(وعلم آدم الأسماء كلها) مرتين:
ـ الأسماء بالقدرة على وضع (لفظ) يدل على (شيء).
ـ ولفظة (كلها) أنها خاصية مفتوحة لكل أنواع الترميز.
وهي بهذا تمكّن العقل البشري من التحليق من الواقع إلى الخيال.
ـ واللغة ثالثاً تمنح مخزوناً للثقافة لا يعرف النضوب، وهو كم يتزايد باستمرار.
وعندما أشار القرآن في أوائل السور إلى الحرف (ألم) فهو من باب خفي إشارة إلى أهمية الكتابة، وهي تختلف عن النطق، فالنطق أدخل الإنسان إلى عالم الحقيقة..
“فورب السماء والأرض إنه (لحق) مثلما أنكم تنطقون”.
ولكن بالكتابة دخل (التاريخ)، بواسطة صحف إبراهيم وموسى، عن طريق (رق منشور) باستخدام (القلم وما يسطرون).
وبواسطة الكتابة زاد مخزون الذاكرة الإنسانية إلى اللانهاية.
وهنا نرى أن اللغة تدخل في ثلاث فلاتر أو كوبي، كل واحدة تشوه الحقيقة الناصعة إلى ما لانهاية من الضبابية والعتمات؟
أولها العقل الذي يواجه الواقع، فقد تنعكس الحقيقة أو الخرافة..
وكولمبس ضلل أهل الكاريبي، حين تنبأ بالكسوف، وقال إنه غضب الله، فاستطاع أن يحصل الخبز لرفاقه الجياع، قبل أن يجوع أهل الكاريبي مجاعتهم الكبرى في الهولوكوست الأسباني.
وهو سؤال يسيطر على عقول الناس عندنا، ويتوقع البعض إن الزلزال الوشيك إذا ضرب إسرائيل، فهو سيعني تدخل الله المباشر بجنب العرب، والله ليس عربيا ولا يهوديا، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير..
فإذا سيطرت الفكرة المنعكسة من حقيقة كونية قد تكون حقيقة، وقد تكون أبعد ما تكون عن الحقيقة؛ فإذا نطقها الإنسان ناقلا إياها لمن حوله، فلن تكون مثل حركة النمل في نقل الحقيقة عن موقع العسل واللحم للاجتماع، فإذا نقلت الفكرة الموهومة أو الحقيقة أو شبه الحقيقية من عالم الصوت إلى الورق والشاشة؛ فقدت الكثير من زخمها، واختلف الناس حولها وتقاتلوا وما يزالون، كما حدث في قرار الأمم المتحدة حول انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، ولم يكن لقرار 425 أن يتحقق ولو قام كل جهابذة اللغة بتفسيره، وما فسره وحققه كان الجهد الإنساني أكثر من كل نصوص الأمم المتحدة..
وهكذا فإن الطفل يتعلم خلال سنوات عمره الأولى مخزون المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر ملايين السنين. في حين أن النطق يجعل الخبرة تموت بموت صاحبها.  وكما كان النطق ثورة في العلاقات الإنسانية، حيث أوجد نظام اتصالات متقدم، فإن الكتابة جعلت الدماغ الإنساني يكبر إلى ما لانهاية، والواحد منا لا يمتلك دماغه لوحده بل دماغ البشرية على شكل عملاق.
وكما تقول عالمة اللغة (أنجيلا فريدريشي Angela Friedrici) أن اللغة هي أداة الوعي الحاسمة، وهي الآلة الأهم للذكاء الإنساني.
وبين الطفولة والمدرسة، يتعلم الإنسان ليس لغة واحدة بل ثلاثا:
ـ أعمقها وأصدقها (السيميائية)؛ فالطفل يقرأ الغضب في وجه أبيه، والاستحسان في وجه أمه، قبل أن يفقه كلمة واحدة.
ـ ثم تأتي فوق الطبقة السابقة طبقة وسط من النطق، وهي (اللغة الصائتة)؛ فيعرف الطفل الفرق بين السؤال والسعال والسعار، ولكنه يتعلم أيضاً أن أباه ينطق كذبا، ويقول ما لا يعنيه.
وقد تكون كلمة مرحبا لقادم لا مرحبا بكم؟!
كل ذلك من رنة الصوت ولحن القول، وهنا تدخل إشكالية جديدة على اللغة يحتار فيها الطفل.
وعندما أراد القرآن تعليم نبيه أشار إلى جدلية اللغتين العميقتين الكاشفتين لحقيقة الروح:
(ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول).
وهنا يتم التعرف على الإنسان بوسيلتين هما غير الكتابة (سيماهم) و (لحن القول).
وعلى السطح تماماً تأتي (الكتابة)، وهي اللغة الثالثة المكتوبة بريئة الظاهر، التي يجب أن تفسر بمعاجم وقواميس اللغة، وتاريخ البشر، وتجربة العلماء، وعلوم مساعدة من اختراعات البشر لا حصر لها، وهي مناط الخلاف بين البشر ومصدر نزاعاتهم.
ولكن الدخول في نفق اللغة يحتاج إلى إضاءة وأجهزة كاشفة وتواصل مع الواقع، وفي وقت قد تصبح الكلمات بدون دلالة كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، عندما تنفك النصوص عن الواقع.
وإذا سمعت البقرة نداء لغويا واضحاً فلا يعني هذا أنها قامت بتحليله عقلانيا، وهو لا يمثل لها أكثر من صوت وهواء مقذوف بذبذبات الحبال الصوتية.
ومشكلة المشاكل في اللغة هي عند هذه النقطة.
وفي علم (البرمجة العصبية NLP) يعرفون أن هذه المستويات الثلاث تختلف في المردود على نحو درامي، ولقد نقل (التكريتي) في كتابه (هندسة النفس الإنسانية) عن فريق من الباحثين البريطانيين عن المركبات الثلاث للتخاطب:
ـ أن الكلمات المكتوبة تنقل 7 % من الفهم والمعنى، أما النطق فيرتفع المردود إلى 38 %، في حين أن الحضور، ومن خلال تعبيرات الجسم تقفز بالرقم إلى 55 %، أي أنها ومع الحضور لا تنقل كل الحقيقة، وهذا يعني أنه لا يوجد جهاز كوبي لنقل مشاعر الإنسان وأفكاره بأمانة بسبب تعقد العناصر وإشكالية اللغة وغابة الثقافة.
وهذا يدخلنا على إشكالية مرعبة للغة؛ فلولا اللغة لما أصبحنا بشرا، ولولا اللغة لما قرأنا القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، ولولا اللغة لما تفاهمنا، ولما أمكن نقل المعلومات، ولولا قناة اللغة لما آمن من آمن وكفر من كفر.
ولكن بالكلمة تقاتل الناس وتأثروا وغضبوا ولم يغفروا وحقدوا وكرهوا..
وبالكلمة يهوى الإنسان في جهنم أربعين خريفا.
والكلمة قد تكون لغما لنا نحن من يكتب، تنسف قلمنا ومصيرنا ورزقنا بالغدو والآصال.
وجملة كلفتني أن أطير من مجلة، ومقابلة مع جريدة جعلت غضبهم نارا يحرق أوراقي ومستقبلي عندهم..
وينطبق هذا على كل منبر، ولذا أكتب كل مقالة في أي منبر كتابة مودع..
“ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .