العدد 1648
الجمعة 19 أبريل 2013
القوة من منظور “الدين” و“علم الاجتماع” و“البيولوجيا” و“السياسة” خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 19 أبريل 2013

ما هي القوة؟ يسمونها بالإنجليزية (Power)؟
إن المثقفين مثل عفلق والبيطار الذين استولى عليهم شعور إنقاذ الأمة من التخلف كانت (نواياهم) طيبة، ولكن لم يفهموا أن إدخال القوة والعنف لتغيير الأمة إفساد لها، ولا يمكن أن يكون إصلاحاً بحال. فهنا جمعوا بين (نية الصلاح) و(طريق الفساد) من غير أن يشعروا. وهذا ينطبق على الإسلاميين كما ينطبق على القوميين.
وعندما تكون (النية) جيدة، وأن تغيير الأمة يجب أن يتم (بالإكراه)، والأفكار بالقوة؛ فإن النية لا تشفع ويدخل المرء عمق الفساد.
ويدرك المرء بمرارة أن الاعتماد على العسكر خطير، وأن كل حصان قابل للترويض إلا الحصان العسكري، وأن العسكر  سيلتهمون أصحاب النية السليمة، وان الجناح العسكري هو الذي سيحكم المثقفين، وأن السيف سيكون فوق القانون، وأن كرسي السلطة ألذ من كل لذائذ الدنيا، وأن المرجعية الأساسية في المجتمع هي القوة.
من الذي قتل البيطار وحسن البنا وأنطوان سعادة، عند البعثيين والإخوان المسلمين والقوميين السوريين؟
إنها الأفكار التي رعوها.
وفي جنازة النقراشي في مصر كانت الجموع تطالب برأس حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين.
وحين كتب البيطار عفوك أيها الشعب السوري كان إيذانا بأن أجله اقترب فكان كلمح البصر أو هو أقرب.
وكذلك في لعبة انطوان سعادة والصلح أو حفلة اغتيال المالكي في دمشق.
وطالما تغذى الجميع من فكر القوة، وأن القوة فوق الجميع، فإن تصفية الرفاق والإخوان لبعضهم البعض هي تحصيل حاصل.
إن فكرة تغيير الأمة بالجيش، والأفكار بالقوة، فاسدة من أقطارها الأربعة: في (الدين) و(علم الاجتماع) و(البيولوجيا) و(السياسة):
فهي أولاً في الدين (الشرك) وكما كانت شهادة أن (لا إله إلا الله) الأعظم، كذلك بنيت الحياة السياسية على مبدأ (لا إكراه في الدين).
وحرف (لا) للنفي يدخل على كل صور الإكراه، وكل دين وفي أي اتجاه. فلا يقتل الإنسان من أجل آرائه أياً كانت، اعتناقاً وتركاً، دخولاً وخروجاً، وهو يفند قول فقهاء العصر المملوكي بقتل المرتد، وإلا كانت إكراها وحبساً، وسيارات تمشي للأمام فقط بدون قدرة العودة للخلف، وطرقات سريعة باتجاه واحد.
وهذا يعني أنه بمجرد دخول الإكراه في الدين، فقد دخل الشرك، ومزج التوحيد بالوثنية، واختلط الحق بالباطل. والذي يعلق أي أمل بالقوة، فقد أشرك في لغة الدين، وأدخل مع الله آلهة أخرى وبطل عمله، فمع الشرك يحبط كل عمل (لئن أشركت ليحبطن عملك).
ـ وهي ثانياً في لغة (علم الاجتماع) الدخول إلى (شريعة الغاب) والذي يملك القوة هو الله لا إله غيره، وهو ما قاله فرعون لموسى (لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين). أو للسحرة (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى). وهكذا فإن (عبادة القوة) هي عبادة الطاغوت والسجود للصنم.
ـ وهي ثالثاً في (اللغة البيولوجية) التخلي عن العقل واعتماد العضلات، وهو الفساد الأكبر للإنسان، عندما تنقلب الأدوار، فيمشي الإنسان على رأسه منكساً منكوساً.
ولكن من يمشي على رأسه يخسر رأسه ورجليه معاً.
وفي مقابلتين منفصلتين مع قناة الجزيرة سئل قيادي إسلامي وآخر شيوعي نفس السؤال: هل مارستم العنف؟ وكان جواب الاثنين واحداً: (نعم دفاعاً عن النفس)؟!
إن استخدام العنف لتحويل المجتمع، هو الذي يجعل القاتل والمقتول في النار. لأنه ليس كل دفاع عن النفس (حقاً). وليس كل دفاع عن النفس دفاع، وكل دفاع عن النفس هو هجوم من طرف خفي، وكل مبررات الحروب تنطلق من هذه الحجة بما فيه العصر النووي، حتى أبطله ماوتسي تونج الذي قال خلاف العقيدة النووية، أنني سوف أترك لخصمي فرصة ضربي الأولى قبل أن أرد عليه، وقال ما قال اعتمادا على الثروة البشرية وسعة الصين، ولكنها أيضا حجة داحضة، وتبقى الحجة البالغة حجة الأنبياء في عدم رد العدوان بالعدوان، بل الإساءة بالإحسان، فلا يستويان مثلا.
وهذا الشيء الذي أقوله لا يستطيع فهمه لا الشيوعي ولا الإسلامي ولا الليبرالي ولا القومي، كما إن العالم جميعاً ليس له قدرة على فهم هذا الشيء، الذي جاء به الأنبياء، لأن الكل يجيز (الدفاع عن النفس).
ولكن الدفاع عن النفس هو في الحقيقة، في وجهه الثاني الخفي، الاستعداد للهجوم على الآخرين، أي برمجة العدوان والقوة في المجتمع، وعندما يلتقي الطرفان بالسيف يتحول المجتمع إلى جهنم، يلتهم كل الناس.
ما معنى أن يكون الإنسان في مجتمع؟ إن وعياً مقدساً من هذا النوع يخلق (المواطن المنتمي) لأن المجتمع يحمي من العدوان، والمجتمع الذي لا يستطيع حماية أفراده ويلجأ فيه كل فرد إلى الأخذ بحقه بذراعه يتحول إلى (مجتمع غابة)، وهي نكسة نوعية للخلف عشرة آلاف سنة.
ومجتمعات (الغابة الجديدة) لا ينفع فيها التغيير بالقوة لأنه تغيير أشخاص بأشخاص دون المساس بنظام الفكر الذي يهيمن عليه.
ولهذا فإن الفرقاء كلهم من (ملة واحدة) هي ملة (الشرك) و(العضلات) و(الغابة) و(الديكتاتورية).
وهي رابعاً أي عدم اعتماد لغة القوة في التغيير في (علم السياسة) تعني الديمقراطية فيقر الجميع أن لا يلجأ طرف إلى العنف، وأن تطلق الحريات في (التفكير) و(التعبير) والتجمع والتحزب، ويحرم شيء واحد فقط هو استخدام القوة والسلاح والإكراه لفرض الأفكار.
ومنهج الأنبياء يقوم على (تراض منهم وتشاور) و(لا إكراه في الدين)، وهو يستخدم اللاعنف من طرف واحد حتى لو اعتمد الآخر على العنف؛ لأن التورط في العنف معناه الدخول في مذهب الآخر، والأنبياء دعوا إلى شق طريق جديد في تحرير الإنسان من علاقات القوة ووثنية الإكراه، بأن لا تكون المرجعية الأساسية في المجتمع السلاح والعضلات والإكراه، فهذا هو لب التوحيد أن لا إله إلا الله، وليست القوة هي الله، وليس الحاكم هو الله، رب الناس ملك الناس إله الناس.
ولتحقيق هذا دعا الأنبياء الناس أن لا يقتلوا أحداً أو حاكماً لتغيير الأوضاع، لأنه استبدال طاغوت بطاغوت، ولكن أن يغيروا رصيد ما بنفوسهم بالتخلص من القابلية لعبادة القوة.
وهكذا فقول الحق، وعدم الدفاع عن النفس، والموت من أجل هذا، هو الذي يكرر عمل ابن آدم، وسيد الشهداء حمزة.
إن الذين لا يفهمون هذا يمارسون حوار الطرشان، وهو ما يجري في المحطات الفضائية اليوم، بسبب شدة استحكام أفكار القوة، في مفاصل الفكر العربي، وحياتهم هي استبدال طاغية بطاغية، واستبدال قوة بقوة، وهذا لا يصنع ديمقراطية، ولا دنيا، ولا دين، ولا مجتمع إنساني، بل تبادل مستمر للقتل، والاستمرار في القتل والقتل المضاد.
والذي لا يفهم هذا لا يمكن أن يكشف ما جاء به الأنبياء، ولا ما جاءت به الديمقراطية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .