تشبه الصحافة العربية الصحافة الغربية في كل شيء؛ ففيها المقال الافتتاحي، وصفحة النعوات والجنازات والإعلانات، وأخبار البورصة، والتحقيق الصافي، والعمود الصحافي، والكاريكاتير، وصفحة الكلمات المتقاطعة، يتوج كل ذلك المقال الافتتاحي المهم لرئيس التحرير.
لكنها تفترق عن الصحافة الغربية كما تختلف البيضة المسلوقة عن بيضة خرج منها ديك يصيح على السياج بتعبير النيهوم.
إن المسألة كما نرى ليست بهذه السهولة.
من يطالب بحرية الرأي، لو صار الأمر إليه، وقام من ينتقده لاعتبره فوضويا خطيرا على المجتمع مقلقا للنوم العام، أو ربما فاسد العقيدة مرتدا أنكر (معلوماً من الدين بالضرورة) يجب تحريض أولي الأمر على سفح دمه؟
المسألة خطيرة كما نرى؟!.
وهنا نفهم أهمية مبدأ فولتير الثلاثي فهو إنجاز هائل في تاريخ الإنسان والرأي. وهو مكون من ثلاث فقرات:
ـ تقول الأولى أن المسألة لا تدور حول الصواب والخطأ لأن هذا محتم لكل واحد منا، واعتبر (ليسنغ) من فلاسفة التنوير أن الله:
“لو وضع الحق في يمناه، والشوق إلى البحث عن الحقيقة في يسراه ومعها الخطأ لزام لي ثم قال لي اختر؟ إذا لجثوت على ركبتي ضارعا أقول يا رب بل امنحني ما في يسراك لأن الحقيقة الحقيقية النهائية هي ملك لك وحدك لا شريك لك.
وفي هذا تنفعنا أيضا قاعدة آينشتاين عن الحقيقة: إياك أن تعتبر أن كشف الحقيقة لمرة واحدة كافية!
الحقيقة يا عزيزي تشبه تمثال الرخام الموضوع في صحراء، تضرب فيها عواصف الرمل بشدة في كل حين.
فقط.. وفقط الأيدي التي لا تعرف الكلل والملل، والروح التي تنفض النعاس والكسل، هي التي تنفض عنه الرمال دوما، وتبقيه ملتمعا تحت ضوء الشمس بأشد من صلعة سقراط!
ـ وفولتير حينما يطلق حرية التعبير بدون حدود يخلق مناخ الحوار، الذي يعدل الخطأ، وينضج الصواب، وفوق كل ذي علم عليم.
ـ وفي الفقرة الثالثة منه يقول فولتير أنه سيدافع عن رأي الآخر حتى الموت، حتى لو كان رأي الآخر خطأ محضاً، ليس دفاعاً عن الخطأ، بل دفاعاً عن حق التعبير؛ لأن الخطأ يحق له أن يعيش؛ فهذا الذي أطلقه فولتير في أوربا كان له أثر هائل في نشوء حق التعبير والاجتماع عليه والتظاهر سلمياً.
وفي هذا الصدد تنفعنا قصة (جيوردانو برونو) الذي أحرق مع مطلع القرن السابع عشر، وكان لاهوتيا متمردا؛ فخضع لتعذيب رهيب، واعتقال مذل لثماني سنوات، عسى أن يتراجع عن رأيه بدون فائدة!
ثم اقتيد وقيد إلى عمود فأحرق حيا مثل أي فروج مشوي!
كان هذا في 17 فبراير عام 1600م، وبعد مرور 400 سنة تجمع أحرار من روما في مكان شويه حيا (موضع الحرق = بلاسا لا فويرا Placa la Feura) كي يعيدوا إلى الأذهان معنى (حرية الرأي) و(حرية التعبير) في جدلية لا تنفك.
أما فقهاؤنا فيريدون قتل من غيَّر دينه بدعوى الارتداد؛ أي تغيير قناعاته أيا كانت، مما يجعل الأديان محبسا وورطة لكل من اعتنق وآمن وأراد أن يغير قناعاته.
بالمناسبة حتى كتابة هذه الأسطر لم تحرر الكنيسة أسر برونو وحررت غاليلو لأن الثاني كان عالما والأول رمزا للحرية.
ربما يتساءل البعض عن جريمة برونو؟
لقد حررها في كتابه (العلة والغاية) أن الكون أكبر من الكرة الأرضية في امتداد لانهائي؛ فهل يعقل أن يسوع نزل من أجل هذه الأرض (عفوا الفسفوسة) للفداء؟
ومنه حقدت الكنيسة على الرجل وما زالت ولم تبرئ ساحته!!
وهذا يوصلنا إلى حل إشكالية كبيرة وهي أن حق التعبير مرتبط بواجب التعبير؛ أي أن الحق من أجل التعبير هو في الواقع الوجه الثاني لنفس عملة (حق ـ واجب) فما هو حق لطرف واجب على الطرف المقابل.
وإذا كان الحاكم يمنع الناس من التعبير والتظاهر فلأنهم يمنعونه من الوجود، وهناك الكثير من يتمنى موت حاكم عربي هذه الأيام، ولكنه ينسى في غمرة هذه الشهوة أن تمني الموت للآخر هو في الواقع تمني الموت لنفسه، لأن مشكلة الأمة ليست معلقة بموت وحياة وفرد، وعندما نتمنى الموت للآخرين تنتقل عدواها إلينا فنموت نحن أيضاً. وفي الأنظمة الشمولية عندما ينتخب الحاكم مائة بالمائة فإنه يعني أن الأمة أصبحت صفرا بالمائة. وعلى هذه الدرجة تنكمش الأمة فمن ينتخب 99 % فهو يعني أن الأمة أصبحت واحد بالمائة.
وعندما تعلق صور الزعماء إلى الدرجة المقززة فهو يعني أن الأمة تختفي في لجة صورة الزعيم.
والشيء الذي نخلص به هو ثلاث:
ـ أن حرية الكلمة المكتوبة مرتبطة بفلسفة التعبير، وأن التعبير القاتل يقتل الكلمة قبل خروجها، مثل أي جنين يجهض لأنه لم يمتلك شروط تكونه في الرحم وخروجه بأمان إلى ارض الحرام.
ـ وثانياً أن الحق مرتبط بالواجب بالقيام بالواجب الاجتماعي، ولا نطلب من الحاكم التصدق علينا بمكرمة الحرية، والديمقراطية هي وعي الأمة أكثر من صناديق الاقتراع.
واليوم يتم الاقتراع في كثير من الدول العربية ولا يعني أنه اقتراع، ويجب أن لا نتوقع الحرية السياسية ونحن لا نتحمل الرأي المخالف في صفحة من جريدة، ونمارس الديكتاتورية في كل مكان من مصنع ومشفى ومكتب ومدرسة وعائلة، ونحسن التملق والكذب للحاكم في حضوره وتمني الموت له عندما نختلي لأنفسنا.
ـ وثالثا أن صياغة العقل مرتبطة بالوعي، وأن الديمقراطية ليست انتخابات بل رصيدها وعي الناس، وقيام المجتمع المدني، ولا يمكن لطاغية أن يحكم شعبا واعياً، كما لا تستفيد أمة جاهلة من حاكم راشد. كما قتل يوما الإمام علي بن أبي طالب وهو أعدل الناس بعد أن فقدت الأمة الرشد ودخلت القبلية، وأن العنف شجرة باسقة من الرعب تظلل شعوبا بالكراهية وثمرتها الجريمة طلعها كأنه رؤوس الشياطين؛ فهذا مسلسل محتوم بين أفكار الكراهية وبرمجة العنف واختناق الحريات ومنها حرية الكلام والتعبير.
ومعنى هذا الكلام أن الأشياء إذا لم يصار إلى دراستها فلسفيا، واكتشاف جذور المشاكل؛ فإننا سوف نبقى ضائعين عن الهدف.
والشيء الذي أريد أن أصل إليه أن سقف الحريات لن يرفع، لأنه يخضع لقانون التطور في المجتمع. وأننا لا نملك صحافة حرة بمعنى الكلمة. وحتى لو تطوع أحد المجانين للانطلاق بصحافة حرة فإنه يجب أن يكون خارج العالم العربي وخارج العقل العربي؛ فلا يمكن لصربي أن يفك اللغة الصينية. أو يتصور الحرية من نشأ في العبودية. “أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين.” أو يتمتع بالأنغام الكلاسيكية من أصيب بالصمم. وتبقى المسألة تراوح في مكانها بين محتار ومتذمر وغاضب ويائس. “كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”.