العدد 1620
الجمعة 22 مارس 2013
العوائق الثلاث في وجه حرية التعبير خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 22 مارس 2013

إن الأنبياء لم يكونوا بانتظار ترخيص للنطق، وكان صلى الله عليه وسلم يكرر جملة واحدة بحرص: “كلمة واحدة قولوها تملكون بها العرب وتدين لكم العجم”. ولكن هل كانت الكلمة خطيرة إلى هذه الدرجة؟
ما هي فلسفة التعبير؟ هل تمارس الكلمة انتحاراً داخلياً أم منعاً خارجياً؟ يبدو أن الاحتمال الأول أقرب إلى الصحة؛ فليس كل كلمة ممنوعة من الخروج، بل هي في جدلية أو طيف من الاحتمالات بين الخروج السهل أو الاختناق قبل الخروج؛ فأن يقول الإنسان أريد أن أشتري خبزا لن يحرج أحداً، ولكن انتقاد أوضاع فاحت رائحتها تستقبل من الأكثرية بارتياح ويسكت أصحاب المصالح على مضض أثناء ولادتها، ولكن الذي يمارس الانتحار الداخلي هو الذي يقتل نفسه قبل الخروج مثل السباب. لأن اغتيال الآخرين يفتح باب اغتيال النفس. وهذا يقودنا إلى ربط (الكلمة) بـ (العنف) واعتبار الكلمة خبيثة أو طيبة مثمرة أو مدمرة.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً في فلسفة التعبير هل يوجد ما يحتاج أن نعبر عنه ولكنه يمنع؟ أم لا يوجد عندنا ما يستحق التعبير فندخل عالم الموت الصامت؟
والفرق بين الأمرين هائل لأنه يحل إشكالية كبيرة في مسألة الحريات في العالم العربي، ومثل هذا عدم وجود مظاهرات في أي عاصمة عربية في المسائل الخطيرة المصيرية. لماذا لا تخرج مظاهرة تعبر عن روح الأمة؟ والجواب لأنه لا يوجد ما يعبر عنه، ولا يوجد روح أمة، بل يوجد قوم مشاغبون ينافسون الحاكم، وإذا سنحت لهم فرصة التجمع أحرقوا السيارات وحطموا المحلات وانتقموا من البنية التحتية التي أنشأتها الدولة.
إذا كانت الصحافة مملوكة لحزب شمولي يملك البلاد والعباد فلا يمكن أن تنطق إلا بلسان الحزب. وإذا أصدرت الدولة الشمولية أكثر من جريدة فهي نسخ مكررة عن بعضها بفارق اسم الجريدة.
وإذا كانت الصحيفة ملك لدولة أو رجل ثري فلا يمكن لسياستها أو خطتها العامة أن تصب إلا في مصلحة الدولة والحزب والفرد.
وهذا يعني أن المواطن يجري تسييسه وتكوين عقله وفق هذه القناة. ولأن المواطن لا يثق بالفرد أو الدولة والحزب فهو يجد أفضل الطرق أن لا يصدق بشيء ولو كانت درجة الحرارة؛ ولذا فقد طلق الكلمة المكتوبة وعالم الكتابة والمكتوب، ووجد أن الخبر الصحيح ربما يكون في أخبار الرياضة، ومنه تنجح الجرائد العامرة بأخبار نجوم الرياضة!
ولا يوجد مصلحة في تكذيب خبر فشل أو نجاح الفريق الرياضي. ولذا كانت الجرائد الرياضية أفضلها توزيعاً.
وهذا لا يعني أنه لا يوجد قارئ جيد أو كاتب جيد ولكن الكاتب محاصر بثلاث زوايا تقيد حركته: وهي دور النشر، والرقيب الإعلامي، والثقافة المحلية؛ فإن كتب مقالة جيدة اصطدم بكوابح الثقافة، ومحرم عليه أن يتكلم في مثلث (الدين ـ السياسة ـ المرأة والجنس) لأن هناك فقهاء امتلكوا ناصية الفتوى. وفي السياسة هناك أوصياء على العقول. وأما  الجنس فحرام وعيب. وليست هي كل الحقول.
وإذا كان الكاتب أمامه ثلاث حواجز يصعب أن يقفز من فوقها أفضل حصان عربي رشيق فهناك بعد (التابو الثلاثي) حاجز مغلق ببوابة سحرية لا تفتح إلا بيد حارس (أمني).
والمسألة في العالم العربي شائكة للغاية لأن أي جريدة عربية واسعة الانتشار عليها اختراق 23 بوابة عربية للمراقبة، وهي بوابة لا ينجح في القفز فوق حبالها أعظم لاعب سيرك.
وإذا نجحت الكلمة المكتوبة بعد (المراقبة الذاتية) و(قصقصة) الرقيب الإعلامي؛ فإنها تواجه ثقافة لا تملك ذلك الهامش الواسع المتسامح.
ومن يكشف أفكاره يكشف عورته ويطرد من جنة الفقهاء؛ فيهرع إلى أي شجرة يخصف منها يواري سوآته، وعليه أن يعلن توبته النصوح بشروطها الثلاث إن أراد استرضاء الفقهاء.
مشكلة الكاتب كما نرى هي بين ثلاث: الناشر (المنبر) وعين الرقيب والثقافة.
والصحافة هي ملك للدولة أو رجل مالي أو حزب شمولي وهو يعني أن من يصدر أو يتصدر صحيفة هو في قبضة غيره.
كان هتلر يقول عن جمهور القراء أنهم أحد فريقين؛ فإما صدق بكل ما يقرأ أو كذبت عيناه كل شيء ولو كان عين اليقين.
ولا يعني هذا أنه لا يوجد داخل الصحافة أناس يريدون تطوير العمل ولكن الناشرين في النهاية هم موظفون لمن يملك المال والقوة.
ومشاكل الكذب في الجريدة ليس أن الجريدة تكذب الصريح والأكيد من الخبر؛ فهذا هو اللون الرخيص من الكذب وسهل الكشف، ولكن الكذب الخبيث هو التلاعب بالخبر، أو عدم ذكره في الوقت الذي يجب ذكره، أو ضغطه في بضع كلمات إلى زاوية مهملة، في الوقت الذي يجب أن يحتل صدر الصفحة الأولى، أو قد يذكر الخبر في ظل إشعاعات خاصة كما تكلم عن ذلك (مالك بن نبي) في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة). والقرآن يذكر عن أهل الكتاب أنهم وقعوا في مجموعة من العلل: يحرفون الكلم عن مواضعه. ونسوا حظا مما ذكروا به. ويلبسون الحق بالباطل. ويكتمون الحق وهم يعلمون. ويشترون بالحق ثمناً قليلاً فبئسما يشترون. وهكذا فنحن أمام طيف كامل من ألوان الكذب ربما يصل إلى السبعة أنواع مثل لون قوس قزح عندما يتحلل الضوء إلى ألوانه الأساسية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .