العدد 1606
الجمعة 08 مارس 2013
حكم الأقلية وانصياع الأكثرية آليات الحكم والانقياد خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 08 مارس 2013

يرى (توينبي) أن الحضارات تنطلق بالإبداع على يد أقلية تتبعها الأكثرية بآلية المحاكاة على أنغام مزمار الراعي، وأنها تنهار عندما تتحول إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بسوط (الإكراه).
لا إكراه في الدين وحرية الاعتقاد إيمانا وتركا خروجا ودخولا وحرية التعبير والتجمع عليه والدعوة له بشر به الأنبياء كمشروع إنساني تحول إلى بند راسخ في دساتير العالم كما في الإعلان الكندي عام 1982 م للحقوق والحريات الأساسية.
ولعل تشديد الغرب على منع إعدام اوجالان (الكردي) المعتقل في تركيا هو تحت هذا البند؛ فالمثير الآن في حركة التاريخ أن الديمقراطيات الغربية بدأت في التحرك لنقل مفهوم رفع الإكراه من حزامها إلى خارجها، وجاء الجديد على صورتين:
ـ الانتقال من تحريم الإيديولوجي المذهبي إلى العرقي وهو أخطر، كما أشارت مجلة الشبيجل الألمانية في مقابلتها مع المؤرخ الأمريكي (نورمان نايمارك) فأهل القدس في مواجهة الرومان، والعرب في الأندلس، لم يكن أمامهم إلا أن يفروا، أو يغيروا معتقداتهم.
وأمام آلة التطهير العرقي الجهنمية في يد الصرب في كوسوفو أو النازيين في آوسشفيتس (AUSSCHWITZT) تكررت الصورة.
ـ وثانياً ليس تطبيقه داخلياً بل محاولة منعه خارج المنظومة الديمقراطية، مما يذكر بالجهاد الإسلامي.
علينا أن نستوعب أن منظومة الجهاد في الإسلام أنه لم يشرع لنشر الفكر، بل لرفع الظلم والإكراه والفتنة عن (الإنسان) أينما كان ودان، وبذلك يصبح الجهاد دعوة لإقامة حلف عالمي لرفع الاضطهاد والإكراه عن البشر في صورتين بوجه التحديد: الإخراج من الديار والعقيدة بالقوة المسلحة، جمعتها نصف آية تبرر استخدام القوة المسلحة (أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
 ولا يعني هذا أن حلف الناتو مارس الجهاد في كوسوفو أو ليبيا ولكن تطور التاريخ يجبر القوى العظمى ومنها أمريكا التي تمثل القطب الواحد أن تمنع الإكراه وتلتمس مبررات التدخل المسلح بما يتوافق مع مصلحتها؛ فبقدر هجمة الناتو على صربيا، بقدر تفريغ الصرب كوسوفو من الألبان، لتولد دولة إسرائيلية جديدة بقدس جديد اسمها كوسوفو من نفس عينة المرض العرقي الكريه. هكذا كانت النية حتى انقلبت الموازين ونجت كوسوفو.
اعتبر (نعوم تشومسكي) السياسي وعالم الألسنيات الأمريكي أن غرام أمريكا بالعدالة كاذب، يشهد له سكوتها عن جرائم بحجم الجبال ضد الأكراد وكولومبيا وحاليا ضد الشعب السوري.
واعتبر الصحافي البريطاني (روبرت فيسك) أن الذكرى الخمسينية لولادة الناتو كانت جديرة باستعراض القوة، واستشهد (ادوارد سعيد) يوما في مقالة له بفكرة كيسنجر عن استخدام القوة في الهند الصينية إلى جرعتها القصوى كي لا تدع أدنى مجال للشك عند الخصم أنه يمكن المضي فيها إلى حدود اللاعقلانية.
ويبقى ميزان الغرب مترنحاً في تعامله مع قضية فلسطين؛ فتنطفئ كل النخوة والأريحية الديمقراطية دفعة واحدة مع العنصرية الإسرائيلية، وتظهر إنسانيتهم في تمزيق المنطقة الشيوعية؛ لأن ضرب العراق كان من خوف مقبل، أما ضرب الصرب فهو من شماتة وأحقاد الماضي. ويمكن أن تتكرر المشاهد في الشرق الأوسط من جديد.
ينبغي أن نفهم هذا ولابد من النظرة الكلية لفهم الأحداث، ونحن حين نفهم اتجاه التاريخ ونربط الأحداث ببعضها؛ فنعلم أن إيقاف المذابح عمل إنساني ويجب أن يتم في كل مكان من البوسنة إلى رواندا إلى سوريا، وبمجرد أن نعجز عن ربط الأحداث ببعضها تختلط علينا الأوراق.
 مع هذا فإن قانون التاريخ سيجبر قوى الغرب في المستقبل بتعامل أفضل مع القضية بقدر نضج فكرة اللا إكراه عالمياً.
لأجل حل مشكلات العالم من دون هذه المرجعية فإن كل الأحداث التي يمكن ان تتخذ وسيلة لكسب المصداقية لن تحمل مصداقية حقيقة وإنما مزيد من ترسيخ الامتيازات وإبراز المنطق الفرعوني.
من هنا لابد من استحضار ضرورة إعطاء مصداقية للأمم المتحدة لمشاركة فعالة من قبل العالم جميعاً حتى يكون القرار عالميا، بتشكيل برلمان دولي له قدرة التنفيذ.
نحن ننسى مصدر الإعاقة العالمية ولا تشفع التحسينات الجزئية في بعض أنحاء العالم في تغيير البانوراما العامة.
لابد من السعي لصنع أمم متحدة من نوع جديد كما في الدول الديمقراطية التي يحكمها القانون وليس الفيتو.
الديمقراطيات الغربية استطاعت أن تحقق العدل الداخلي والرفاهية والأمن لأفرادها إلى حد كبير كما أنها نجحت في آلية نقل السلطة السلمي فأصبح إقناع الناس ولو بالتحايل سبيل التغيير وليس الجيش والاستخبارات، ولكن مشكلة الغرب أنه تحول إلى ديكتاتور في العالم، في مقابل الديمقراطية الداخلية في تناقض محير.
نحن تزعجنا التناقضات الثانوية وننسى التناقض الأساسي العالمي الذي يقوده رهط مفسدون في الأرض.
الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتركيبة الفيتو لم تعد مناسبة للعالم الجديد، وينبغي أن يكون هناك تمرد على الأمم المتحدة التي ليس لها مصداقية تعيق نمو العالم، ومجلس الأمن يجب أن يلغى، وليس بالمطالبة بتوسيع كراسيه ومدها إلى اليابان وألمانيا وآخرين يتلمظون لمقاعد الامتيازات!
والأمم المتحدة على ما يبدو تحتضر الآن، والوحدة الأوربية مولود جديد في تاريخ الإنسان، ويمكن أن تكون نواة لوحدة عالمية، ولكن الأمم المتحدة لا يمكن أن تكون نواة لوحدة عالمية.
الوحدة الأوربية حاولها من قبل نابليون وهتلر وكلاهما وصل إلى عكا وستالينغراد؛ فأما الأول فقضى نحبه منفياً في جزيرة، وأما الثاني فمات منتحراً.
وتتحد أوربا اليوم ليس تحت شعار ألمانيا فوق الجميع بل ألمانيا مثل الجميع. وهي الكلمة السواء التي خاطب بها محمد صلى الله عليه وسلم هرقل قبل 1400 سنة: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فإن توليتم فإن عليكم إثم الاريسيين أي لعنة الشعوب.
ينقل نعوم تشو مسكي في أول كتابه قراصنة وأباطرة أن الاسكندر ألقى القبض على قرصان فراح يقرِّعه: كيف سولت لك نفسك إزعاج الناس في البحر؟ أجاب إنني أزعج الناس في بحر فأسمى قرصاناً؟ ولكنك تزعج العالم كله فتصبح إمبراطورا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .