العدد 2159
الجمعة 12 سبتمبر 2014
داعش دولة الحشاشين الجدد د. محسن الصفار
د. محسن الصفار
عالم مجنون
الجمعة 12 سبتمبر 2014

عندما كنت أدرس الطب النفسي في أوكرانيا لاحظت ان هناك فرقة دينية من البروتستانت المتشددين يترددون على عنبر خاص في المستشفى بمعالجة المدمنين والأشخاص الذين يعانون من حالات غضب شديد وميل للعنف أو الإدمان على الكحول وكان أعضاء هذه الفرقة الدينية يتحدثون معهم بالساعات والأيام ويوفقون في جذب عدد منهم الى جماعتهم المتشددة التي تشبه الأحزاب السياسية حيث يطلب منهم ان يكون لكل مجموعة قائد ويلزمون بدفع اشتراكات شهرية وغير ذلك والتي تختلف تعاليمها عن المذهب الأرثودوكسي المعتدل الذي تدين به غالبية أوكرانيا.
وسألت ذات مرة أحد هؤلاء “المبشرين” إن امكن تسميته كذلك عن سبب اختيارهم للمدمنين السابقين للتبشير وأليس الأفضل أن يصرفوا هذا الوقت على اشخاص صالحين؟ فأخبرني ان الادمان والعنف دليل على اختلال التوازن لدى الشخص مما يجعله ميالا للإفراط في اتجاه معين وهؤلاء يشكلون ارضية خصبة لأية افكار متطرفة ولو تم التوجه اليهم بشكل علمي ودقيق فإنهم سيتركون افراطهم في الكحول او العنف ليستبدلوه بإفراط ديني يلبون فيه حاجتهم النفسية للإفراط وفي نفس الوقت لا يشعرون بأي تأنيب ضمير كما ينجم عن افراطهم في امور اخرى، لذا فإنهم يبحثون عن ضالتهم في السجون والمستشفيات النفسية.
لم أعر هذا الأمر اهتماما كبيرا وقتها لأن ظاهرة العنف الديني والجماعات المسلحة لم تكن قد استفحلت في عالمنا الاسلامي بالشكل الذي نراه اليوم ولكنني وبعد مشاهدة العنف الدموي الذي ترتكبه هذه الجماعات وخصوصا تلك المسماة “داعش” ومطالعة تقارير عن خلفيات الكثيرين ممن انضم لها من دول مختلفة وأغلبهم اشخاص لهم ماض أسود مليء اما بالعنف أو الادمان أو الافراط الجنسي وبعبارة اخرى مليء بالاختلالات النفسية السلوكية.
ويبدو ان الجماعات (الإسلامية) الإرهابية تنهج نفس منهج نظيراتها البروتستانتية في التوجه الى اصحاب المشاكل النفسية والسلوكية والسجناء لأن النزعة الافراطية لديهم التي كانوا يجسدونها عبر سلوكيات شائنة في المجتمع ستجد لها صدرا رحبا في جماعات تبرر لهم ارتكاب نفس الأعمال الوحشية من قتل واغتصاب ولكن في قالب ديني يزين لهم أفعالهم بأنها الطريق الأقصر للوصول الى الله عبر تحريف معاني آيات الجهاد والاستعانة بأحاديث ضعيفة كلها تصب في قالب واحد هو ارتكاب المجازر والفضائع بذريعة إرضاء الله عز وجل والله سبحانه منهم ومن أفعالهم براء.
وهذا الأمر ليس جديدا فلو طالعنا تاريخ طائفة الحشاشين أو “الحشاشون” أو “الحشيشية” أو “الدعوة الجديدة” كما أسموا أنفسهم وهي طائفة إسماعيلية نزارية، انفصلت عن الفاطميين في أواخر القرن الخامس الهجري، لتدعو إلى إمامة نزار المصطفى لدين الله ومن جاء مِن نسله، واشتهرت ما بين القرن 5 و7 هجري، وكانت معاقلهم الأساسية في بلاد فارس وفي الشام بعد أن هاجر إليها بعضهم من إيران. أسّس الطائفة الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزاً لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته فسنرى نفس الأسلوب النمطي في تجنيد الأفراد عبر اعطائهم المخدرات ووضعهم في قلعة معزولة بين نساء جميلات وشراب ثم يطلب منهم القيام باغتيالات وحشية اذا ارادوا العودة لهذه الجنة المزعومة وطبعا كانت الاغتيالات التي طالت خلفاء ووزراء من قبيل الوزير السلجوقي نظام الملك والخليفة العباسي المسترشد والراشد وملك بيت المقدس كونراد وعدد آخر من مناهضي الإسماعيلية تنتهي بمقتل منفذ الاغتيال الذي يفعل ذلك بسعادة بالغة على أمل ان تؤدي به الى الجنة الموعودة والفرق ان المخدرات اليوم عقلية وفكرية وإعلامية وحبوب هلوسة وليست حشيشا.
لاشك ان عملية تجنيد الافراد التي تقوم بها داعش ليست عملية اعتباطية أو عشوائية فهناك افراد على درجة عالية من التخصص في علم النفس ينظمون وينظرون لهم افضل الطرق لتجنيد الأفراد وأفضل السبل للدخول عليهم بحيث ينجذبون لأفكارهم الضالة.
من الواجب الانتباه الى السجون وإلى المصحات النفسية وإلى الإصلاحيات لأنها تشكل المركز الرئيس لجذب وتجنيد المقاتلين لداعش وكذلك الأفراد في المجتمع من ذوي الميول العنيفة أو المتطرفة أو الانعزاليين او ممن يعانون من كبت شديد جنسي أو عاطفي أو المصابين بحالات من الكآبة الشديدة التي تصل الى حد ايذاء النفس أو الآخرين فهؤلاء هم الضحايا المفضلون للتنظيمات الضالة والارهابية علما ان الامر لا علاقة له بالمستوى العلمي أو التعليمي لأن ما ذكرته من حالات نفسية قد تكون موجودة لدى اي شخص سواء كان أميا او يحمل شهادة الدكتوراه.
إن محاربة المجموعات الإرهابية ليست مسؤولية أجهزة الأمن فحسب بل مسؤولية مجتمعية يجب ان تشارك فيها الأسرة والمساجد والمراكز العلاجية والمدارس لتجفيف منابع الإرهاب البشرية وعدم تمكينهم من تضليل افراد جدد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية