في الحادي عشر من نوفمبر من عام 2004م رحل الرمز الفلسطيني الكبير ياسر عرفات. ليس وجوده هو الذي شكل لغزا طوال حياته بل إن غيابه هو الذي بقي اللغز الأكبر الى اليوم. ورغم الفحوصات التي أجريت في المختبرات الدولية التي أكدت وجود نسبة غير طبيعية من البولونيوما المشع في جسده لكشف اللغز أو حله إلا أن الغموض يلف سبب وفاته حتى اللحظة وكأن الرمز عرفات أراد أن يخفي سر موته أو يبقيه معه طي الكتمان الى الأبد.
الذي لا يختلف حوله أحد أن مناضلا كالراحل أبوعمار بقي صلبا في مواقفه متمسكا بمبادئه أمام الغطرسة الصهيونية ولذا فإنه لم يكن من السهل أن يغيب عن ذاكرة شعبه الفلسطيني. وليس مستغربا أن يكون حاضرا بصورة كبيرة في وجدانهم وأن يقام له نصب تذكاري رخامي في زيه العسكري وكوفيته. كما تعلق صوره في بيوت الفلسطينيين بوصفه الرجل الذي جسد قضيتهم حية. إن عرفات كما يقول فلسطيني ناهز التسعين من العمر هو أبوالقضية وهو الذي رفع اسم فلسطين وكافح لإعادة حقوق اللاجئين. ليس هناك من يختلف ان الرجل نذر حياته لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ورغم مرور عشر سنوات على غياب الرمز ياسر عرفات الا أن مجرد صورته تشكل استفزازا للجنود الإسرائيليين حيث يعمد هؤلاء عند اقتحامهم للمنازل الى تحطيم صورته... كرس عرفات كل حياته لقيادة النضال الفلسطيني مطالبا بحقوق شعبه في تقرير المصير. ولإصراره على النضال والكفاح المستمر فإنه تعرض للعديد من محولات الاغتيال من عناصر الاحتلال الإسرائيلي وأشدها إبان محاصرة مقره برام الله وألصقت به تهمة الإرهاب لتأييده الانتفاضة الفلسطينية المعروفة بانتفاضة الأقصى عام 2000م. والتي استمرت اربع سنوات. وكان شرارتها اقتحام أرييل شارون ساحة المسجد الأقصى مما فجر الغضب والإحباط لدى الشعب الفلسطيني.
في المرحلة التي أعقبت رحيل ياسر عرفات سارت القيادة الفلسطينية على الطريق نفسه ورغم ان تقدما بطيئا تم انجازه لكن طريق السلام تعرض الى انتكاسات خطيرة وصلت الى نفق مسدود نتيجة لسياسات اسرائل المتعنتة غير الراغبة من الاصل في السلام.
إن أبناء جيل السبعينات من القرن العشرين لم يبرح ذاكرتهم الموقف التاريخي للرئيس عرفات أمام الأمم المتحدة في الثالث عشر من نوفمبر 1973م عندما دخل المبنى حاملا غصن الزيتون. وعبارته الشهيرة، لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي، أصداؤها تدوي الى اليوم. ولقي خطابه حماسا منقطع النظير من كل الأعضاء.
في عام 1982م كان المشهد تراجيديا الى أبلغ حد، ففي هذه السنة قاد عرفات قوات الثورة الفلسطينية في معركة الصمود في بيروت. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى أجبر القائد على الرحيل. إنقاذا للثورة ورجالها من مخطط يهدف إلى تصفيتها ورحل الرجل مرغما على متن سفينة يونانية الى تونس.
ولكفاحه الطويل من أجل حرية شعبه نال عرفات جائزة نوبل للسلام مشاركة مع الإرهابيين اسحاق رابين وشيمون بيريز. والذي يمكن ان نرصده بعد عشر سنوات من غياب رمز ومناضل كالأخ أبوعمار هو ان جذوة النضال لا تزال متقدة غير ان المحزن ان الخلاف لا يزال بين الفصائل وإخوة الدم والتراب ودرب النضال لأسباب آيديولوجية وغيرها.