عجيب هذا الرجل يموت بجسده فتحيا أمة بأكملها ويقتل مرة فيولد ألف ألف مرة، ويصرع وحيدا بلا ناصر ولا معين فترى الملايين يلبون نداءه، ويقضي عطشانا فيظل ذكره على ألسنة الشاربين، ويرحل غريبا فيصبح قبلة العاشقين. ويقول عباس محمود العقاد صاحب عبقرية أبو الشهداء إن ثورة الحسين واحدة من الثورات الفريدة في التاريخ لم يظهر لها نظير حتى الآن في مجال الدعوات الدينية أو الثورات السياسية.
الأمة المسلمة بكل اطيافها بحاجة اليوم اكثر من أي وقت مضى الى استحضار نهضة الحسين واستعادة وعي كربلاء في النفس أولا وفي المجتمع بالدرجة الثانية انطلاقا من الحقيقة التي يجب ان يعيها كل فرد وهي ان عاشوراء ليست ملكا لجماعة ولا هي محصورة بأفراد. ومن هنا فإنه من الخطأ الفادح تأطيرها في ممارسات أو حصرها في مراسيم والمحزن هو تغييب الرمز الكامن فيها.
إن عاشوراء ليست الاستثناء في انصرافنا عن الرمز وانهماكنا في المظهر وأعني كل الفئات بلا استثناء فأغلب ممارساتنا تنحو للاتجاه ذاته نؤديها بلا تمعن أو تأمل في أبعادها ودلالاتها. ومن يقف متأملا دروس كربلاء فإن بإمكانه استجلاء حلول لمعضلاتنا المزمنة وواقعنا المأزوم. القراءة العميقة والواعية لعاشوراء هو ما تحتاجه الأمة في هذا الظرف العصيب. إن درب الإمام الحسين لو أخذ سبيله الى الواقع الإسلامي السادر في التيه لأمكن تفادي العديد من الكوارث والنكبات المفجعة التي أسهمت في تعطيل مسيرتها الحضارية وكبدتها الآلام التي استنزفت قواها على مر الأيام. ولعل الاشد ايلاما على النفس من وقع الحسام هو ما يتعرض العالم بأسره وليس بلداننا العربية فحسب من فلول وعصابات الهمجية المدعوة بـ داعش وأخواتها كالقاعدة. وهي بكل المقاييس وصمة عار في تاريخنا الإسلامي الحديث بأفعالها الهمجية المشينة المنافية لكل القيم والأعراف البشرية والانسانية. وعاشوراء مشروع اصلاحي متكامل ولاستيعاب أبعاد هذا المشروع وتطبيقه في حياتنا فإنه لابد من تنقية التراث وغربلته. فالتراث يحوي الغث والسمين في آن واحد، ومن هنا فإنه تبدو الحاجة ملحة الى تنقيته مما خالطه من اضافات يمجها العقل السليم. ونعتقد ان مهمة بهذا الحجم لا ينهض بها الا ذوو العقول الراجحة والبصائر النافذة. الذي أردت الاشارة اليه ان البعض تعاطى مع نصوص التراث بنزعة تقديسية لا تنسجم معه. لا يمكننا ان نتجاهل محاولات البعض ممن اقدموا بشجاعة وجرأة يحسدون عليها على التصدي لهذه المهمة معرضين انفسهم لسوء الفهم حينا المفضي الى التسقيط والتخوين وكيل شتى التهم احيانا اخرى.
موسم عاشوراء يعد مناخا خصبا للتعايش والتسامح بأسمى صوره والخروج من الدوائر المغلقة كالتعصب والتمذهب وغيره والتسامي على جميع الانتماءات الضيقة، وعلى امتلاك الحقيقة المطلقة.
أعتقد أن أجواء عاشوراء تمنحنا فرصة نادرة للانفتاح على الآخر انفتاحا واعيا دينيا وسياسيا والبحث عن نقاط الالتقاء والتواصل والسعي بكل الوسائل لتدعيمها وإزالة ما راكمته سنوات الشحن والتنابذ. والتركيز بدرجة اخص على الانسان بصرف النظر عن انتمائه أو اتجاهاته الفكرية والآيديولوجية. الحوار مع الآخر هو ما نحتاج اليه والمتأمل لسيرة الإمام الحسين يجد انه قدم نموذجا ومشروعا لحل “الخلاف” بينما كان الخصم يصر على قراءة أحادية ومسار واحد بمعنى ان هذا الأخير ضيق الخيارات وحصرها في بعد واحد المتمثل في رؤيته وهو ما أفضى الى غلق الابواب.
ويتبقى القول إن عاشوراء مناسبة للخطباء والمشايخ ونظرائهم الى الارتقاء بالخطاب بالدعوة الى منهج التسامح ونبذ الكراهية وتفادي الأحقاد والأضغان.