العدد 2205
الثلاثاء 28 أكتوبر 2014
الفرد والجماعة محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 28 أكتوبر 2014



الملاحظة التي لا تخطئها العين أنّ ثقافة الأحزاب والتجمعات العربيّة على اختلاف تكويناتها وتوجهاتها الايديولوجية والفكرية هو قمعها لتطلعات الفرد في الحرية والاستقلال وسحق قيمته وأسره في قالب الجماعة. وكلما همّ أحدهم التفكير خارج الصندوق جاءته لطمة الجماعة أو الحزب.. اسكت نحن نفكر بالنيابة عنك.
 لم تترك الجماعات للفرد حرية التعبير عن رأيه في أي شأن من شؤونها المصيرية أو حتى الداخلية رغم رفعها لشعارات الديمقراطية في كل مناسبة وحين وهي مفارقة تستدعي التأمل فيها بعمق.
 الحالة التي نحن بصددها ذكرتني بأحد أفلام أسطورة السينما العالمية شارلي شابلن وقد شاهدته قبل ما يزيد على العشرين عاماً ولعلّ اسمه “الأزمنة الحديثة”. في الفيلم قدم شارلي من خلاله نموذجاً للإنسان المسحوق، إنسان الخيبة والقهر والحيرة والعجز أمام جبروت الآلة الصماء التي اخترعها لنفسه.
المحزن أنّ العمال لا يسمح لهم بممارسة أبسط الأمور الطبيعية؛ لأنها تعطل سير العمل، فيشعر العامل بالاغتراب وحتى الاستلاب. ويوم كنت أشاهد الآلة تدور على جسد العامل الساذج شارلي كما في قصة الفيلم بشكل قاتل ومثير كانت ضحكات رواد الصالة تجلجل بمتعة خارقة بينما كنت بين قلائل من جمهور الصالة من تحولت ضحكاتهم إلى دموع.
 ولا أدري كيف خطر ببالي التشابه الكبير إلى يصل حدّ التطابق بين الآلة وبين المؤسسة السياسية العربية أكانت حزبا أم جماعة. فالذي تمارسه هذه الأحزاب هو تقديس للجماعة ونبذ للفرد وأنّ لها كلمة الحسم في مقابل ما يتعرض له الفرد من تهميش وإقصاء إلى حدّ نفي لوجوده بل الأدهى تحويله إلى مجرد ترس صغير في آلتها الضخمة.
 ورغم احتفاء النص القرآني بالجماعة - كما يشير باحث إسلامي - والتطور الذي عرفه تاريخنا الثقافي والسياسي الراهن فإن النص المحوري أعطى مكانة مهمة للفرد بيْد أنّها للأسف مُسحت من تاريخنا عبر طغيان مفهوم الجماعة. وربما ليست مبالغة إذا قررنا أنّ مفهوم الفرد في القرآن يوازي الجماعة بل يتجاوزه من حيث الأهمية عن طريق مخاطبة النفس باعتبار النفس مفضلة عن الانتماء الجماعي.
 إنّ غالبية المثقفين اليوم وجدوا أنفسهم بين خيارين لا ثالث لهما، إما الانصياع التام لرغبة الحزب/ المؤسسة بكل ما تحمله من قهر واستلاب وتغييب شبه تام لحريته وإمّا أن يجد الفرد نفسه خارج الحزب. وهنا ربما يتساءل البعض أين هي حرية الرأي المزعومة إذن؟ وأين تبجح الحزب والمؤسسة بقيم المجتمع المدني؟ بل أين تشدقها بالحرية والاستقلال الذاتي وغيرها من المفردات؟
 لسنا بحاجة للقول إن ما تتعرض له الأحزاب العربية من هزائم وانتكاسات سياسية هو نتيجة حتمية ومؤكدة لانفرادها بالرأي من جهة وغياب للنقد الذاتي من الجهة الأخرى. ففي معركة أحد تلفت الصحابة للتعرف على سبب الهزيمة التي مني بها المسلمون فجاء الخطاب القرآني حاسماً أنه يكمن في النفس التي ترفض الرأي الآخر كما في قوله تعالى “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ”. آل عمران 165. والذي يتجلّى لنا أنّ الانفراد بالرأي مرضٌ عربيّ متجذر في الجماعات قبل الأفراد.
 الأحزاب السياسية العربيّة تحتاج إلى إعادة نظر في أساليب عملها وفهمها للواقع كما يبدو أنها في أمس الحاجة إلى قراءة واعية للعمل السياسي. وفي الوقت ذاته هي في حاجة إلى مراجعة جادة لمسيرة عملها والأهمّ إلى ممارسة نقد صريح من الداخل قد يتطلب التحليل والتجديد والتفكيك لها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية