العدد 2191
الثلاثاء 14 أكتوبر 2014
أميركا لا تتعلم من دروس التاريخ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 14 أكتوبر 2014


ذات مرة وصف الجنرال الأميركيّ ذو الأصل الجزائري “عمر برادلي” حرب أميركا ضد كوريا قائلاً: “لقد قاتلنا الحرب الخطأ في المكان الخطأ في الوقت الخطأ مع العدو الخطأ”، والحقيقة أنّ الذّي يتأمّل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى حربها الأخيرة على ما يسمى بالدولة الإسلامية بالعراق والشام “داعش” فإنه يجد عبارة برادلي تنطبق عليها تماماً.
إنّ أقدم حرب خاضتها أميركا كانت على إسبانيا في عام 1898م وكان هدفها السيطرة على جزر الكاريبيّ ولإنجاز هدفها تذرعت بأنّ اسبانيا فجّرت سفينة أميركية لكنّ الحقيقة التي تم الكشف عنها بعد 82 عاماً وباعتراف أميركيّ أن لا علاقة للإسبان بالتفجير إنما السبب هو خلل في محركات السفينة. وفي المعركة التاريخية الشهيرة المعروفة بـ “بيرل هاربر” في عام 1941م ودخلت أميركا بسببها الحرب العالمية الثانية فقد اتضح فيما بعد انّ القيادة الأميركية كانت تملك معلومات دقيقة عن موعد الهجوم وحجمه قبل وقوعه بيد أنها لم تطلع القيادة المركزية بالمعلومات. ولعلّ اشهر حروب اميركا العبثية التي تورطت فيها كانت حربها على فيتنام وادعى وزير الدفاع الأميركي ماكنمارا أنّ الفيتناميين أغرقوا سفينة أميركية في خليج تونكين الفيتنامي. ووقعت الحرب التي امتدت لأربع سنوات وراح ضحيتها أربعة ملايين من الشعب الفيتنامي وعشرات الآلاف من الأميركيين. وبعد عقود من السنوات خرج مكنمارا نفسه ليعلن أنه لم تكن هناك سفينة أميركية في خليج توكنين ولا هم يحزنون!
ويستمر مسلسل الأكاذيب الأميركية حتى عصرنا الحاضر ففي حربها على العراق ادّعت أنّ لدى العراق اسلحة الدمار الشامل ولم يكن هذا الزعم إلاّ كذبة أميركية فجة كانت من خيال أدمغة رجال المخابرات الأميركية للتمهيد لغزو العراق وإسقاط نظامه الدكتاتوري. الكذبة ذاتها روجت لها وسائل الاعلام الاميركية عندما انطلقت الثورة السورية بهدف الإطاحة بنظام البعث السوري الدمويّ الحاكم.
ويروي الفيلم الوثائقي الأميركي الشهير “حروب قذرة” بحرفية بالغة جرائم المؤسسة العسكرية الأميركية في العديد من الدول التي تعرضت لانتهاكات أميركية على مدى سنوات. الفيلم المذكور تضمن بالإضافة الى تصوير الضربات الجوية العسكرية لقاءات بضحايا الضربات العسكرية في كل الدول المستهدفة كأفغانستان والعراق واليمن وغيرها. والمفارقة أنّ فيلم “حروب قذرة” تم عرضه في مهرجان الافلام بنيويورك وحاز على العديد من الجوائز كأفضل فيلم وثائقيّ. ومن بين المشاهد الجريئة هو الضربات الجوية الخاطفة التي استهدفت قتل مواطن اميركيّ “عميل” دون محاكمة وهو ما يشكل خرقاً للقوانين الدولية.
الملفت للانتباه أنّه في كل الحروب الأميركية فإنّ مجلسي النواب والشيوخ يمنحان الرئيس تفويضاً باستخدام كل ما يراه من “قوة ضرورية” للتصدي لأي عمل ارهابيّ في المستقبل ضد اميركا. والذي يتضح للعيان لدى اي مراقب هو أنّ هذا التفويض المفتوح للصلاحيات هو تعبير فضفاض أي أنّ من حق الرئيس الإعلان عن هجمات عسكرية حتى لو كانت خلافا للمواثيق الدولية.
الذّي يبدو لنا جليا أنّ الولايات المتحدة الأميركية وبعد كل هذه الحروب لم تحفظ كتب التاريخ جيداً ولم تستفد من تجاربها بل في كل حرب جديدة تمعن في غطرستها وتكرر الأخطاء ذاتها. والأدهي أنّها تعتبر العالم الثالث ومن بينه دولنا العربيّة والإسلامية مجرد جزء من أملاكها تتصرف فيه كما تشاء طبقا لما تقتضيه مصالحها حتى لو كان عدد الضحايا بالملايين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية