بدايةً ليس جديداً القول إن تقسيم الدول العربية إلى كانتونات ودويلات هو هدف تخطط له الولايات المتحدة الأميركية منذ أمد بعيد. ولعل الأقرب إلى الأذهان ما كانت تروج له الميدا الغربية قبل سنوات من أن هناك خريطة لتقسيم البلدان العربية بأجمعها إلى دويلات صغيرة متصارعة ومتقاتلة؛ حتى يسهل السيطرة على مواردها وثرواتها، وهو المخطط الأبرز عالمياً. المفارقة الباعثة على الدهشة أنه ليست الدول المناوئة لأميركا وحدها المستهدفة من المؤامرة، بل حتى تلك التي تدور في فلكها وتأتمر بأمرها من تتعرض للتفتيت. أما المفارقة الصارخة، فهي أنّ جميع البلدان تستسلم لما يراد لها دون أن تعترض أو تحرك ساكناً وكأنّها تساق إلى المذبح، وهي تبتسم. إنها مؤامرة كبرى تجري أمام سمع الدول العربية وبصرها؛ لتفكيكها ولاستنزاف مقدراتها شبيهة الى حد كبير بما أقدمت عليها الدولتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا قبل قرن من الزمن وبالتحديد غداة إعلان وقف الحرب العالمية الأولى. المؤامرة المذكورة التي أقدمت هاتان الدولتان تعد أبشع مؤامرة لم تبرح ذاكرة الشعوب العربية، وخلفت ندوبا وجروحا لم تندمل حتى اللحظة وعرفت اختصارا (بسايكس بيكو)، وهو اختصار لاسمي الدبلوماسيين البريطاني والفرنسي. وكان أصل الخطة هو القضاء على ما تبقى من الأمبراطورية العثمانية (الرجل المريض). أما الذي تم إنجازه على الأرض، فإن العالم العربي تم شرذمته وتحويله إلى اثنتين وعشرين دولة منذ القرن الماضي، ومازال الباب مفتوحا إلى المزيد في ظل التناحر العربي. وما تخطط له أميركا واتباعها اليوم هو نسخة طبق الأصل لسايكس بيكو، وتكاد التفاصيل تصل حد التطابق ربما الفارق فقط أنّ ما تم التخطيط له آنذاك كان يتم في غرفة خافتة الضوء، بينما الذي يمارس اليوم جهارا نهاراً.
إن القارئ لسياسة الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الغربية وإسرائيل يشعر أن ما يجري على مسرح السياسة الدولية ليس بريئا بمعنى أن التحالف العالمي للحرب على الدولة الكارتونية المساة بداعش ليس إلاّ غطاء لأهداف أبعد، وهذه الأهداف تتكشف يوما بعد الآخر سافرة عن هجمة لئيمة وقذرة تتعرض لها الأمة بأكملها لا تستثني منها أحد. إن تقسيم دولنا العربية على أسس طائفية ودينية وعرقية كان مخططا تشترك فيه أميركا وإسرائيل، ولعلّ البعض منا سمع بالوثيقة الإسرائيلية “كيفونيم” التي كان ظهورها بداية ثمانينات القرن الماضي، وترمي من ورائها كما ذكرت الوثيقة ضرب البلاد العربية بعضها بعضا؛ لأنّ بقاءها بوضعيتها الراهنة يشكل خطرا على إسرائيل. وقبل أيام أعلن نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي “أن المنطقة تشهد هذه الأيام نهاية اتفاقية سايكس بيكو للعام 2016م”. أما الخطة الأميركية الشهيرة التي ذاع صيتها، فكانت تحت مسمى “خريطة الدم”، وهي خطة شبيهة بالخطة الإسرائيلية، إذ إنها تستهدف تقسيم الدول العربية إلى دويلات وإشعال الفتن والحروب بين بعضها وتبقى متناحرة ومشغولة بخلافاتها إلى أمد لا يعلمه إلاّ الله.
الولايات المتحدة اتخذت من أبو بكر البغدادي رئيس ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) غطاء لتحقيق مشروعها الجديد، وها هي تتخلى عنه وتعلن الحرب عليه لتنفيذ مخططها تماما، كما فعلت بريطانيا وفرنسا في بدايات القرن الماضي عندما أوهمت بعض الزعامات العربية آنذاك بالخلافة، بيد أنّ أحلامهم تبخرت بعد تخليهم عنهم. إنّ كل المؤشرات تؤكد أنّ ما يجري اليوم ليس سوى إرهاصات لسايكس بيكو جديدة تنفذ للأسف البالغ تحت سمع العرب وبأموالهم.