التكبيرات والمسيرات الاحتفالية التي عمّت أرجاء الأراضي الفلسطينية عشية إعلان وقف إطلاق النار في غزة لا تسمح بالقول إنّ الكل على ما يرام والسماء وردية. إذ إن الحقيقة التي لا يريد البعض من العرب والفلسطينيين بوجه أخص الاعتراف بها والذي يعرفه العالم بأجمعه أنّه لم يكن هناك نصر نهائي على الكيان الاسرائيليّ وأنّ الذي جرى طوال الأسابيع الفائتة هو أنّ المعركة خططت لها إسرائيل ونفذتها بوحشية لا نظير لها ولم تستثن بشرا ولا حجراً. لعل ما يدعونا للتوقف أمامه ما صوره بعضهم من أنّ المقاومة الفلسطينية أنجزت انتصاراً لا مجال فيه للمساومة مدللين بحالة الهلع والرعب التي انتابت المئات من الاسرائيليين والتي أجبرتهم على ترك منازلهم والمبيت في الشوارع وهذا وحده يعدّ دليلا كافٍيا على الهزيمة التي منيت بها. كان الحديث عن حرب غزة قد أخذ طابعاً عاطفياً شابه الغرور والتعالي وأعطى الأمور حجما وبعداً فوق ما كان عليه وجنح البعض الى المبالغة. أما الكتّاب الذّين نهجوا الواقعية والعقلانيّة في تقييمهم للحرب وهم قلّة فإنّ أحدا لم يلتفت الى كتاباتهم فضلا عن الوثوق بها.
صحيحٌ أنّ الذي لا يمكن لأحد الجدال حوله أنّ المقاومة الفسطينية وفئات الشعب الفلسطيني فاجأت العدو والعالم ببسالتها وثباتها الأسطوري فاق كل التوقعات وكل الاحتمالات وصحيحٌ أيضاً أنّ حجم الخسائر البشرية والمادية كان كبيراً اذ ناهزت اعداد القتلى وحدهم ألفا وخمسمئة شهيد ناهيك عن اضعاف هذا العدد من الجرحى الاّ أنّ الاشقاء الفلسطينيين استطاعوا أن يقلبوا المعادلة السائدة التي تحكم العلاقة بين الطرفين والتي تصنف المقاومة بأنها مجرد ظاهرة صوتية فإذا بها تفاجئ الصهاينة بأنواع من الصواريخ المتطورة. والأهم كما يبدو لي أنّ المقاومة انتقلت ولأول مرة في تاريخ مواجهتها للكيان من مرحلة الانفعال الى العقل ومن الشعارات الى الواقع وهو ما وضع إسرائيل في مأزق بالغ الحرج الأمر الذي سيجعلها تعيد النظر في استراتيجيتها العسكرية في الايام القادمة.
على مدى السنوات الماضية كانت اسرائيل تتبجح بأنها القوة التي تقهر بيد أنّ ما انكشفت عنه المواجهة الأخيرة هو أنّ قوتها المزعومة ليست بحجم ما صورته وما روجته.
لا نشك أنّ ما جرى في غزة منح العرب من المحيط الى الخليج زخماً روحياً كانوا بحاجة اليه لكنّ هذا يجب أن لا يجعلنا نعيش النشوة الخارقة وألاّ يدفعنا الى الوقوع في وهم أننا كسبنا الحرب. إنّ هذا النوع من الكلام لا صلة له بالواقع ذلك أنّ حرب غزة ليست الاّ معركة ضمن حرب طويلة مفروضة على الأمة بأكملها وليس الشعب الفلسطينيّ وحده.
الحقيقة الأخرى مما تمخضت عنه حرب غزة الأخيرة هو أنّ الأمة تختزن بداخلها طاقات هائلة لكنّ المحزن أنها طاقات معطلة ومشلولة. وشكل شباب فلسطين ظاهرة خارقة بما جسدوه من اختراقهم للحصار الإسرائيليّ. والأهم أنّها علمت العرب أنّ الحرب صناعة ككل الصناعات القابلة للتعلّم والممارسة.
أمّا الحقيقة الغائبة عن حرب غزة الأخيرة هو الوجود العربيّ ذلك أنّ الفلسطينيين افتقدوا التضامن العربيّ وهو أمرٌ محزن أن تقف البلدان العربيّة مكتوفة الأيدي وكأنّ ما يجري لا يهمهم من قريب أو بعيد والأدهى مما أسفرت عنه الحرب هو أنّ العرب أصبحوا مبعثرين كقطع الشطرنج. وبقي القول إنّ ما أنجزه أبناء الشعب الفلسطينيّ يعد ملحمة تاريخية يمكن أن تضاف الى الملاحم الأخرى عبر التاريخ وكنا نتمنى لو أنّ الفصائل الفلسطينية كانت متوحدة في مواجهة عدوهم الأزليّ الذي لا يفرق بين هذا الفصيل أو ذاك.