العدد 2141
الإثنين 25 أغسطس 2014
لا تدمروا مستقبل أبنائكم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الإثنين 25 أغسطس 2014

كان المفكّر اللبناني جبران خليل جبران يقول “أنتم أيّها الآباء تستطيعون أن تمنحوا أبناءكم محبتكم لكنكم لا تستطيعون غرس بذور افكاركم فيهم، لأنّ لهم أفكاراً خاصة بهم، إنّ في طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادكم لكنّ نفوسهم لا تقطن في مساكنكم فهي تسكن مساكن الغد الذي لا تستطيعون ان تزوروه ولا حتى في احلامكم. إنّ لكم أن تجاهدوا لتصيروا مثلهم لكنكم عبثا تحاولون أن تجعلوهم مثلكم لأنّ الحياة لا ترجع الى الوراء ولا تلّذ لها الإقامة في منزل الأمس أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية رمت بها الحياة عن أقواسكم”.
استحضرت مقولة جبران السالفة وأنا أتأمل ما يمارسه الكثير من الآباء بحق ابنائهم بإجبارهم على دراسة تخصص لا يستهويهم بل ليس ثمة علاقة لهم به على الإطلاق. ليس منّا من لا يشغله مستقبل ابنائه الدراسيّ وليس منّا من لا يؤرقه مستقبلهم وهم يتأهبون لدخول الحياة الجامعية. بيد أنّ المؤسف أنّ هذا النهج الخاطئ في سلوكياتهم سيؤدي بكل تأكيد الى نتائج كارثية يتجاوز حاضرهم الى قادم الأيام. وليس بالأمر المستغرب ما يسوقه هؤلاء من تبريرات من قبيل أنني احلم بمستقبل افضل لابني.
إنّ مسألة الحلم الذي يزعمه الآباء لها جانبان أحدهما يختص بهم كآباء والآخر يختص بالأبناء والمعضلة تكون عند تجاهل الجانب الآخر أو محاولة اقتحام حياتهم الى الحد الذي تتحول فيه القضية الى إلغاء أحلامهم التي اشتغلوا عليها منذ طفولتهم.
المحصلة المريرة التي وجد الأبناء أنفسهم فيها كانت مخيبة وصادمة ولم يفق الوالدان الى حجم المرارة والخيبة الاّ بعد فوات الأوان. وبالطبع تدفع فلذات الأكباد ثمنا فادحا عبارة عن سنوات من أعمارهم تصرمت هباء منثورا فلا هم قادرون على تعويضها ولا إرجاع عقارب الزمن الى الوراء. الذّي على الآباء أن يستوعبوه جيداً أنّ مستقبل ابنائهم ليس موضوعا للمقامرة وأنهم حقول تجارب حتى ندخلهم في متاهات يصعب الخروج منها بسهولة.
ثمة حقيقة يحاول الآباء تجاهلها تلك المتمثلة في الخلط بين الحرص على صياغة العالم الأفضل بضمان التخصص العلميّ المناسب من جهة وبين أحلام الأبناء وميولهم وقدراتهم ورغباتهم ايضاً من الجهة المقابلة والكارثة عند الخلط بين الاثنين أنه بدلاً من أن نترك لهم حرية الاختيار فإننا نعمل عن سبق إصرار على تدمير مستقبلهم الدراسيّ والحياتيّ.
ثمة اعتقاد خاطئ آخر يسكن مخيلة الوالدين أو إذا شئنا الدقة الأغلبية منهم مفاده أنّ ما يتحصلّه أبناؤهم من درجات عالية تعني أن بمقدورهم التفوق وحتى الإبداع في أي تخصص يختارونه أو يختاره الأب أو الأم لكنّ الذّي برهنت عليه الوقائع أنّ ما ذهبوا اليه كان محض سراب خادع وأنّ الحقيقة التي تأكدت هي إذا كان الآباء حريصين على نجاح الأبناء هي ان يدعوهم يحددون ما يرغبون من تخصص دون اكراه أو فرض من اي شكل كان. إنّ دور الوالدين يجب ان لا يتعدى تقديم الاستشارة بما يملكونه من خبرة وبما يتطلبه سوق العمل.
لابدّ من الإشارة الى أنّ عملية اتخاذ القرار وبالأخص في الحياة الجامعية تعد من أصعب اللحظات في حياة الطالب. والذين أذعنوا لرغبات الأهل تعرضوا الى اخفاقات في مسيرتهم الدراسية اعاقتهم عن اتمام دراساتهم وكان الخيار المتاح امامهم هو التحول الى تخصص آخر. ومن شاءت لهم الظروف اتمام الدراسة كانت نتائجهم خلاف ما كانوا يتوقعون ومخيبة للآمال.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية