من خلال دراسة لأحوال الأسر في المدن والقرى البحرينية أجرتها احدى الجمعيات النسائية قبل سنوات لوحظ انّ هناك حالات فيما يتعلق بأحكام المحاكم من زواج وطلاق ونفقة وحضانة وغيرها من قضايا تستحق الالتفات والدراسة نظراً لما يترتب على اهمالها من فساد وتدهور في العلاقات الاسرية ووقوع ظلم على بعض افراد المجتمع (المرأة والاطفال) الامر الذّي يهدد بزعزعة البناء الاسري وبالتالي ينذر بتقويض المجتمع الاسلامي برمته.
غنيٌّ عن الذكر القول انّ وجود قانون للاحوال الشخصية يعدّ ضمانة للعدالة بين الافراد وبالمقابل فإنّ غياب القانون تترتب عليه اضرار فادحة بالنسبة للمتقاضين. فهناك عشرات القضايا المعلقة أمام المحاكم تنتظر الحسم من بينها قضايا متعلقة بتعدد الزوجات والنفقة والطاعة وسن الزواج والطلاق.. الخ. وكمثال فقط على معاناة المرأة جرّاء غياب القانون فانّ الاشكالات الناشئة عن اختلاف الفقهاء في المذهب الجعفري فانّ القضاء يأخذ بموجب ما ذهب اليه رأي الأغلبية من الفقهاء كعقد الزواج الذّي اعطى للمرأة حق تزويج نفسها لكن حسب بعض الآراء فإنّ المرأة البالغة العاقل الرشيدة لا يمكنها تزويج نفسها وإنّما الذي يزوجها وليها. وجرى العمل على ابطال عقد الزواج اذا تولته المرأة بنفسها دون التحقق من كفاءة الزوج.
ومن القضايا التي اصبحت موضع جدل صاخب في المجتمع وأدت الى مشاكل لا حصر لها مسألة تعدد الزوجات. اذ رغم انّ القرآن الكريم أباح حق تعدد الزوجات طبقا لقوله تعالى في سورة النساء “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم الاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى الاّ تعولوا..” لكنّ شرط الاباحة كما ورد صراحة في الآيات السابقة وهو العدل غالباً ما يتغاضى عنه البعض ويتم الاخذ بظاهرها الامر الذي يفضي الى ممارسة الوان من الظلم بحق الزوجة في ظل التعدد اضافة الى تفكك الأسرة.
انّ العسف الذي يمارسه البعض في التعدد ليس الاّ وجها واحدا من ممارسات هؤلاء وهناك امام المحاكم العديد من القضايا الاخرى المتعلقة بالنفقة. ورغم انّ تقدير النفقة خاضع لحالة الزوج لكن ما يجري امام المحاكم تقدّر جزافاً دون النظر لحالة الزوج المادية ناهيك عن عدم تقيّد البعض منهم بصرفها.
بالنسبة الى مسألة “الطاعة” التي هي من أهم الواجبات المفروضة على الزوجة يتم استغلالها من قبل الازواج وتنتقص من خلالها كرامة المرأة بيد أنّ قوانين الاحوال الشخصية في بعض البلاد العربية كالقانون المصري والسوري والتونسي والاردنيّ ذهبت الى وضع حد الى هذا الاذلال بحقها. والاغرب ما يجري في بعض الدول من استعمال القوة عن طريق الشرطة في اعادة الزوجة الى بيت زوجها!.
انّ الحاجة باتت اكثر من ضرورية لاصدار قانون الأحوال الشخصية الشق الجعفري بعد أن اصبح دور السادة نواب الشعب ميئوسا منه فإنّه لابدّ من تكاتف جهات اخرى لانجاز القانون المذكور كالجمعيات النسائية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدنيّ. أمّا لو بقينا ننتظر المزيد من الوقت فإننا نساهم بوعي او بلا وعي في القاء المزيد من المعاناة على كاهل المرأة التي يقر الجميع بأدوارها في حفظ كيان الأسرة. انّ موقف المؤسسات الذي يتسم باللامبالاة سيكرس الظلم ويطيل أمد القهر الذي تمارسه فئة من المجتمع بل ينذر بمجتمع مفكك وأجيال مريضة.
ويبقى أن نذّكر- لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين - أن ليس هناك من يستفيد من بقاء الوضع الذي ترزح فيه المرأة على وضعه ولابدّ من التحرك لرفع الظلم عنها.