من حق الأجيال العربية الراهنة ان تتساءل اليوم أكان الخامس من حزيران من عام 67 هزيمة أم مجرد نكسة. الشائع أنّ من أطلق تعبير نكسة هو الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل للتخفيف من وقع الكارثة المروعة التي اجتاحت العالم العربي من أقصاه الى أقصاه مخلفة آثارا وندوباً في الذاكرة العربية لم تزل باقية الى يومنا هذا. فقد خسر العرب فيها القدس والضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان. وكانت آثارها النفسية اشد بما لا يقاس من تلك التي خلفته على الأرض.
عندما نتأمل واقعنا العربي اليوم بعد ما ينيف على اربعة عقود من الهزيمة فإنّه ليس بمقدور أحد التهوين مما جرّته على الوجدان العربي اذ لا تزال عالقة بكل تفاصيلها وآلامها. هناك من أرجع اسبابها الى غياب الحرية وهو السبب الرئيس للتخلف على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إلاّ أنّ الأخيرة – الثقافية – نالت نصيباً وافراً من الظلم. فتوقفت مجلات وكتب أدبية وفكرية تحت ذريعة تسديد ديون الحرب وكأنّ الثقافة تتحمل الوزر الأكبر مما جرى ! إنّها “نكسة” ثقافية أخرى اشد وطأة من النكسة العسكرية أجهضت أحلام الأمة! مع إقرارنا بأنّ العهد الناصري شهد انجازات استثنائية في الحقل الثقافي لا مثيل لها.. لكن قدر المثقفين والثقافة أن يدفعوا الثمن في كل الأحوال.. وعليهم أن يطأطئوا رؤوسهم مع كل نازلة تحيق بالأمة دون أي اعتراض.
ثمة سؤال آخر نراه جديرا بالطرح هو التالي: لماذا الذاكرة العربية جبلت على استعادة الحزن والإحباط على الدوام ؟ أما كان الأولى أن يغادر العقل العربي هذه الذكرى الرمادية المعششة في وجدانه ؟ وتحويلها الى محفز على الأمل وباعث على استنهاض الطاقات. بات من الضرورة اليوم التفكير بجدية لصياغة مشروع عربيّ نهضوى يعيد للأمة ثقتها بنفسها أولا وقدرتها على الاستقلال ثانياً ضد كل ما يخطط له الآخرون لإبقائها رهينة لعجزها وتخلفها.
وهم كبير سقط فيه مفكرون قوميون للأسف تمثل في قولهم ببناء الدولة القطرية وكان تعليلهم لهذا أنّ هذه الدولة مفضية بالضرورة الى قيام الدولة القومية الحديثة. وكنا سنغفر لمن وضع هذه الرؤية أو التصوّر لو أنها وضعت قبل نصف قرن من اليوم لكن أن يتجرأ مفكرون يصنفون بأنّهم قوميو النزعة الى هذا الطرح السقيم فإنّها والله الطامة الكبرى. ربما كانت الفكرة ناشئة من فشل الأفكار القومية الخيالية التي هيمنت على الفكر العربي لسنوات وكانت إفرازاتها أنظمة تسلطية قمعية. وقد تكون رداً على سقوط الاشتراكية وصعود الرأسمالية وهيمنتها على مقدرات العالم.
بيد أنّ فشل الدولة القومية كما يراها منظرون إسلاميون هو نتيجة لاختزال الأمة بكل قواها في عنصر العروبة وحده كعامل أوحد لبناء الوحدة – وهذا الخطأ الفادح تنبّه له العروبيون متأخرين – لمواجهة القوى الطامعة. النكوص والتراجع الذي مني به الفكر القومي يحتم ضرورة تجديد الفكر وانفتاحه على التيارات الأخرى خاصة في ظل صعود التيار الإسلامي اليوم الى السلطة. لا بدّ أنّ الجميع يدرك الأزمات التي اقترفها رموز التيار القومي بحق الشعوب كنظام القذافي وصدّام وغيرهما. هذه الممارسات الدموية صنفت الفكر القومي بالانتهازية والخيانة للمبادئ بل إعلان صريح بفشل الفكر القومي برمته ومن الأساس.
أليس من علامات سقوط الفكر القومي انه استولت على السلطة مجموعات عبر الانقلابات العسكرية مارست التسلط بأبشع صوره الى الحد الذي جعلها لم تتورع عن سفك انهار الدماء وكافة أشكال التعذيب بحق من يبدي رأياً مخالفا ناهيك عمن يعترض على النظام.