ليس أسهل من أن تقول نعم عندما يطلب منك الآخرون ذلك من أجل تحقيق مشاريعهم أكانت سياسية أم اقتصادية أم ايديولوجية. وليس اصعب من أن تقول لا لأنّك ستتعرض حينها الى العقوبة. والعقوبة التي نعنيها قد تكون النبذ أو الاقصاء أو التهميش باعتبارك خرجت عن منظومة هي في ابسط تعريفاتها ثقافة القطيع. أن يقول كل فرد منّا نعم فهذا معناه انه الغى ذاته ومعناه التماهي مع الآخر والذوبان فيه ومعناه أيضاً يعيش حياة الاستلاب التام.
في كتابها الممتع “كيف تقول لا” تسرد الدكتورة سوزان نيومان مئتين وخمسين طريقة لكيفية التوقف عن ارضاء الآخرين للابد. تقول “لم اكن من هؤلاء الذين يذعنون للآخرين ويقبلون كل ما يطلب منهم لقد كنت اعرف انني غارقة في التزاماتي الشخصية وتلك المرتبطة بالعمل ولكن لم اكن ادرك انّ هذا الموقف ناتج عن عدم قدرتي على قول لا. وبعد القيام بدور الخادمة لزوجي ادركتُ انني مبرمجة على مجاملة الآخرين والسقوط في فخ توريط نفسي في مواقف يمكنني تجنبها بسهولة عن طريق الرفض. لقد بدأت اهتم بما يطلب مني وكيف ومتى يطلب ومدى سرعة استجابتي وغالبا ما تكون سريعة جداً وفي محاولة لاسترضاء الطرف الآخر.. لكني اخذت ارصد وأحلل ردودي وردود الآخرين الايجابية بقول كلمة نعم.
كلمة نعم لا نفكر فيها كثيراً قبل قولها. الآخرون يتولون مهمة اقناعنا بالموافقة على طلباتهم بسهولة أما السبب الرئيسي فهو الخوف من مضايقة أحدهم اذا ما رفضنا طلبه. هناك مواقف عديدة تمر بالانسان لا تتطلب منه الاذعان للآخرين والذّي يعني الطاعة بمفهومها السلبي كما عالجها المفكر العربي الراحل فؤاد زكريا. انّها الصفة الاخلاقية التي أراد للانسان العربيّ ان يتحلىّ بها في كافة مراحل عمره وفي جميع الميادين التي يتعامل معها خلال حياته الخاصة والعامة. بل هي فضيلة الفضائل ولم تزل في نظر الكتّاب والموجهين والمعلمين المعاصرين وهي الصالحة لكل زمام ومكان.
في داخل كل فرد منّا قيمة عظيمة قد لا يشعر بها لكن مع مرور السنين والتجارب فإنّ بإمكانه ان يكتشفها هي باختصار اكتشاف الذات المجهولة. وما لم نكتشف هذه القيمة العظيمة فإننا نتحول الى مجرد دُمى يلعب بها اصحاب المشاريع الخاصة او من يريدون تحقيق اسطورتهم الشخصية كما قال الكاتب البرازيلي باولو كويلو في روايته الذائعة الخيميائي. انّ بطل الرواية السالفة سانتياغو كان راعيا بسيطا يجلس مسترخيا في كنيسة مهجورة في الاندلس يتأمل قطيع اغنامه في الخارج. وقرر ذات يوم ان يسأل عرّافة عجوزا ان تفسر له حلمه وهو انّ طفلا صغيرا يلهو مع نعاجه فقاده لأهرامات مصر وقال له انّ كنزا ثمينا مدفونا هناك. وكان شرط العجوز لتفسير الحلم ان تحصل على عشر الكنز فوافق متهما العجوز بالغباء. وتشاء الصدف ان يلتقي بشيخ طلب منه عُشر النعاج ليدله على مكان الكنز لكنّ سانتياغو سأل الشيخ: لماذا اعطيك مقابل شيء قد لا اجده في المستقبل؟ فجاء جواب الشيخ: اذا عليك هنا ان تحقق بنفسك اسطورتك الشخصية.. تلك التي خُلقت من اجلها.
انّ الدلالة العميقة من الرواية انه عندما ترغب في شيء فإنّ الكون بأسره يطاوعك على القيام بتحقيق رغبتك. والنصيحة التي لقنها الشيخ لسانتياغو دفعته الى المغامرة بنفسه والرحيل للبحث عن الكنز. الامر يتطلب قدرا من الجرأة والاستعداد لتحقيق ذواتنا بعيداً عن الانسياق وراء مشاريع الآخرين والاّ نتحول الى ادوات من اجل انجاز اسطورة الغير واحلامهم.