العدد 1680
الثلاثاء 21 مايو 2013
فساد الرؤوس الكبيرة محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 21 مايو 2013

إحالة أحد المسؤولين بالثروة السمكية للنيابة العامة بشبهة فساد خطوة كنّا ننتظرها منذ أمد بعيد. اي منذ صدور تقرير الرقابة المالية والادارية وما حفل به هذا التقرير من تجاوزات مالية وادارية في مختلف وزارات الدولة وهيئاتها وأكلافها المقدرة بملايين الدنانير. وهي اموال عامة من اموال الشعب.
انّ اقدام وزارة البلديات تجاه المسؤول لقيت ترحيبا وتأييدا من فئات من المواطنين ذلك انّها تعني التصدّي للفساد من جهة ومن الجهة الثانية يمثل تطبيقا عمليا لتقرير الرقابة المالية بعد ان بقي طويلا مجرد حبر على ورق. الخطوة تلقي على المؤسسات الاخرى مسؤولية كبيرة وهي تشكيل لجان تحقيق بحق الادارات التي ثبت ضلوعها في الفساد او من تأكد تسترهم على المفسدين الذّين هم شركاء حقيقيون بصمتهم.
ونتذكر هنا انّ ديوان الراقبة المالية قد اصدر قرارا قبل عام من اليوم بالنظر والتحقيق في التجاوزات الادارية بالهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية. القرار مثلّ تحركاً ايجابياً في حينه لكنّ حسب علمنا بقي في اطاره النظري ولم يقدر له ان يأخذ مجراه في الواقع العمليّ. أي لم نشهد احالة أحداً من المتورطين بالهيئة الى لجان للتحقيق كما فعلت وزارة البلديات وبالتالي فقد فاعليته!
إنّ كل تحرك من شأنه مكافحة الفساد وتجفيف منابعه يستحق منّا ليس الشكر بل الترحيب به ومساندته بكافة الطرق، ذلك انّ الفساد لمن يرصده أخذ منحىً بالغ الخطورة واصبح موضوعاً متداولاً على كافة المستويات ومادة يتندر بها الناس في مجالسهم. لم تعد تجاوزات الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية يمكن التغاضي عنها نظرا لحجم التجاوزات في كافة المواقع الادارية.
وكانت “البلاد” قد نشرت تفاصيل مدعمة بالوثائق الدامغة مما لا يمكن لأحد أن ينكرها.
وكنّا نتمنى لو أنّ التأمينات الاجتماعية قد تصدت لما نشر وفنّدت الحقائق، لكنهم بدلاً من هذا التزموا الصمت والتجاهل وهو ما يعزز القناعة بصحة المعلومات.
ليس بخاف على أحد حجم الفساد مما اشار اليه ديوان الرقابة المالية والادارية على مدى ثمان سنوات. وهو جهد يتطلب عدد كبير من المحاسبين. وافضى عن كشف بؤر من الفساد في العديد من المواقع في اجهزة الدولة واطلع عليها الرأي العام عبر وسائل الاعلام المتعددة بيد أنّ المحزن انها لم تجد طريقها للتنفيذ وبالتالي فقدت جزءا كبيراً من اهميتها. المحزن بدرجة اكبر ان ليس ثمة من جهة تحمل على عاتقها مسؤولية اتخاذ الاجراءات بحق المتورطين مهما كانت مواقعهم.
السؤال لماذا تستأثر قضية الفساد بهذا الحجم من اهتمام الناس الى الحد الذي اصبحت فيه شغلهم الشاغل؟
الإجابة ببساطة تتلخص في ما يترتب عليها من آثار على كافة الاصعدة الاجتماعية والتنموية. إنّ اي حديث عن اي شكل من محاربة الفساد واستئصال جذوره لا معنى له دون ان ترافقه اجراءات جدية باتجاه اصلاح الوضع الاقتصادي، بل انّ اي اصلاح اقتصادي لا يتم طالما بقي الفساد معششا ومتغلغلاً في مفاصل الاجهزة الرسمية ورموز الفساد ما كان لهم البقاء في مواقعهم لولا غياب مبدأ المحاسبة بحقهم ولولا أنهم أمنوا العقوبة من الأصل.
كشف المفسدين أمام الرأي العام خطوة قد تأخرت قليلا او كثيراً، لكنّ الواجب ان تتبعها خطوات بحق الفاسدين في المواقع الاخرى اذ ليس هناك فساد بلا مفسدين. والسكوت على جرائم الفساد في الدوائر الصغيرة يؤدي بالتأكيد الى استفحاله حتى يغدو كالوحش الذي يصعب قهره او السيطرة فيما بعد، كما انّ ملاحقة (الرؤوس الصغيرة) لن تكون مجدية طالما ظلت (الرؤوس الكبيرة) تسرح وتمرح دون عقاب.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .