العدد 1671
الأحد 12 مايو 2013
برّوهم قبل أن تفقدوهم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأحد 12 مايو 2013

هذه قصّة تجسد بحق وفاءً نادراً لا نظير له في هذا العصر. جاءتني عبر (الواتساب) ورأيت أن أعرضها هنا وتشاركوني قراءتها. والحقيقة انه لا يملك من يتأمل في مضمونها الاّ أن يدمع قلبه قبل عينيه.
القصة تسردها الدكتورة حشمة ربيع القعيقعي من المملكة العربيّة السعودية الشقيقة تقول انه في أحد الأيام دخلت عليّ في العيادة امرأة في الستينيات من عمرها بصحبة ابنها الذّي لا يتجاوز الثلاثين. الذي استرعى انتباهي من الوهلة الاولى هو حرصه الشديد عليها. يمسك يدها ويصلح عباءتها ويقدم لها الاكل والماء..
وبعد سؤالي عن المشكلة الصحية وطلب الفحوصات سألته عن حالتها العقلية ذلك انّ تصرفاتها لم تكن موزونة بالإضافة الى ردودها على أسئلتي.  فقال: انّها متخلفة عقلياً منذ الولادة. عندها تملكني الفضول فسألته: من يرعاها؟ قال: أنا قلت: والنعم! ولكن من يهتم بنظافة بدنها وملابسها؟ قال: أنا أدخلها الحمام – أكرمكم الله – واحضر ملابسها وأنتظرها إلى أن تنتهي واصفف ملابسها في الدولاب واضع المتسخ في الغسيل واشتري لها الناقص من الملابس!.
قلت له: ولمَ لا تحضر لها خادمة؟ قال: لانّ أمي مسكينة مثل الطفل لا تشتكي وأخاف ان تؤذيها. اندهشت من كلامه ومقدار بره وقلت: وهل أنت متزوج؟ قال: نعم الحمد لله ولدّي اطفال قلت: اذا زوجتك ترعى امك؟ قال: هي لا تقصر فهي تطهو الطعام وتقدمه لها وقد احضرت لزوجتي خادمة حتى تعينها ولكن انا احرص ان آكل معها حتى اطمئن “عشان السكر”! وهنا زاد اعجابي ومسكتُ دمعتي اختلست نظرة إلى أظافرها فرأيتها قصيرة ونظيفة قلت: أظافرها؟ قال: أنا يا دكتورة هي مسكينة!. نظرت الام لولدها وقالت: متى تشتري لي بطاطس؟ قال: “ابشري الحين اوديك البقالة” طارت الأم من الفرح وقالت: “الحين.. الحين”! التفت الابن وقال: والله اني افرح لفرحتها اكثر من فرحة عيالي الصغار “سويت نفسي اكتب في الملف حتى ما يبين انيّ متأثرة”. وسألت: لديها غيرك؟ قال: انا وحيدها لانّ الوالد طلقها بعد شهر.. قلت: اجل رباك ابوك؟ قال: لا جدتي كانت ترعاني وترعاها وتوفيت وعمري عشر سنوات. قلت: هل امك رعتك في مرضك او تذكر انها اهتمت بك؟ قال: يا دكتورة امي مسكينة، عمري عشر سنين وانا احمل همها واخاف عليها وارعاها.. كتبت الوصفة وشرحت الدواء.  “امسك يد أمه وقال يا الله على البقالة.. قالت لا نروح مكة! استغربت قلت لها ليه تبين مكة قالت بركب الطيارة! قلت له: بتوديها مكة؟ قال: نعم قلت هي ما عليها حرج لو لم تعتمر؟ قال يمكن الفرحة اللي تفرحها لو وديتها”. خرجوا من العيادة وأقفلت بابها وقلت للممرضة: احتاج للراحة وبكيت من كل قلبي..  قلت في نفسي هذا وهي لم تكن له أماً. فقط حملت وولدت ولم تربَّ ولم تسهر الليالي ولم تدرسه ولم تتألم لألمه. ولم.. ولم.. ومع ذلك وكل هذا البرّ!. وبعد.. ألا يدمع القلب لهذه القصة الخارقة؟. والسؤال كم من هذا الطراز في هذا العصر؟ لا نشك بأنّهم قلّة بينما الأغلبية قست قلوبهم وباتوا منشغلين بهمومهم وتناسوا أنّ لهم آباء وأمهات في أمس الحاجة للرعاية الجسدية والنفسية والاجتماعية. اللّهم أعنا على برّ والدينا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية