العدد 1666
الثلاثاء 07 مايو 2013
المتلاعبون بالعقول محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 07 مايو 2013

من منّا لا يتذكر شركات توظيف الاموال التي راح ضحيتها المئات ممن فقدوا ثرواتهم أو ما يسمى بـ “تحويشة العمر”، بيد أنّ السؤال المحيّر للاذهان هو كيف استطاع اصحاب تلك الشركات التلاعب بعقول هذه الاعداد من الافراد ؟ والمثير للدهشة انّ بعض من سقط في شراكهم من ذوي الخبرة والتجربة؟
ثمة قصة ذائعة هي في الاصل حكاية فيلم قديم يتحدث عن رجل باع الناس الحمير والتراب. وتلخص لنا الحيل التي التي تلجأ اليها العصابات للسيطرة على رؤوس الاموال ومصادر الدخل بل الادهى من كل هذا ما تسببه من انهيارات اقتصادية عالمية ومحلية.
تروي قصة الفيلم انّ رجلاً ذهب الى قرية نائية عارضاً على سكانها شراء كل حمار لديهم بعشرة دولارات. وأمام هذا العرض المثير فقد باع قسمٌ كبير منهم حميرهم. لكنّ الرجل فاجأهم بعرض اكثر اغراءً وهو رفع سعر الحمار الى 15 دولاراً وهنا اضطر قسم آخر الى بيع حميرهم. 
لكنّ الرجل استدرج الباقين فرفع سعر الحمار الى ثلاثين دولاراً فباع باقي سكان القرية حميرهم حتى نفذت الحمير من القرية .عندها قال  لهم الرجل اشتري منكم الحمار بخمسين دولاراً ثم ذهب الى استراحته ليقضي اجازة نهاية الاسبوع. حينها زاد الطلب على الحمير وبحث الناس عن الحمير في القرى المجاورة فلم يجدوا حماراً.
في هذا التوقيت جاء مساعده الى القرية وعرض على اهلها أن يبيعهم حميرهم السابقة بأربعين دولاراً للحمار الواحد. فقرروا جميعا الشراء حتى يعيدوا بيع تلك الحمير للرجل الذي عرض الشراء منهم بخمسين دولاراً للحمار للدرجة التي جعلتهم يبيعون كل مدخراتهم بل واستدانوا جميعاً من بنك القرية حتى انّ البنك قد اخرج كل السيول الاحتياطية لديه . كل هذا فعلوه على أمل ان يحققوا مكسب سريع . لكنّ المؤسف بعد أن اشتروا كل حميرهم السابقة بسعر اربعين دولاراً للحمار لم يروا الشاري الذي عرض الشراء بخمسين دولارا ولا حتى مساعده الذي باع لهم . وفي الاسبوع التالي اصبح اهل القرية عاجزين عن سداد ديونهم المستحقة للبنك الذي افلس واصبح لديهم حمير لا تساوي حتى خمس قيمة الديون ولو انّ البنك حجز عليها مقابل ديونهم فانها لا قيمة لها عند البنك وان تركها لهم افلس تماماً ولن يسدده احد! بمعنى آخر اصبح على القرية ديون وفيها حمير كثيرة لا قيمة لها والنتيجة أنّ القرية غرقت وافلس البنك وانقلب الحال رغم وجود الحمير واصبح مال القرية والبنك بكامله في جيب رجل واحد واصبح اهل القرية لا يجدون قوت يومهم.
ايّها القارئ العزيز بإمكانك حذف كلمة حمار وضع مكانها أي سلعة اخرى شقة سيارة طعام. ستجد ببساطة أنّ هذه هي حياتنا الحقيقية التي نحياها اليوم.
وبالعودة الى كارثة شركات الاموال فانّ هناك جهات عدة تتحمل المسؤولية في المعضلة  في مقدمتها الحكومة فعليها مسؤولية بث الوعي  من الانزلاق الى شركات تمارس تلاعبها دون اي عقوبات من اي نوع . ونتائجها ماثلة للعيان آلاف الاسر اضحت تعيش الحرمان والمئات من المفلسين ومثلهم من المدينين والدائنين لكن بلا جدوى ! وعلى الجانب الآخر هناك فئة ممن حكم عليهم بالسجن من المتلاعبين وعلى الصعيد الاجتماعي فقد افرزت الازمة مشاكل اجتماعية بلا حدود.
انّ البعد الغائب في القضية هو انّ الدولة ولتجنب تكرار الكارثة فإنها مطالبة بتشديد العقوبة على العابثين بمقدرات الناس في الوقت المناسب لا ان تترك العابثين بمصائر المواطنين يعيثون فساداً في الارض دون رقابة حتى تقع الكارثة وهذا تماما ما حدث في ما عُرف بشركات توظيف الاموال.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية