العدد 1658
الإثنين 29 أبريل 2013
أجيال الهوس الكروي محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الإثنين 29 أبريل 2013

انتبهوا أيّها السادة لقد بلغ التعصب لكرة القدم حد الهوس وهذا مؤشر خطير للغاية. الظاهرة منشؤها كما يبدو لنا هو الفراغ الفكري الذي يجتاح شباب هذا الجيل تحديداً اذ في غياب الرعاية من قبل الآباء فإنّ الوضع قابل لكافة الاحتمالات ليس “الهوس الكروي” أهونها. ولو أنّ المسألة توقفت الى تشجيع هذا الفريق او ذاك لاعتبرنا هذا أمرا طبيعيّا لكن ان تتحول هزيمة أحدهما الى حالة من الاكتئاب الجماعيّ لدى ثلة غير قليلة فهذا ما يستوجب التوقف أمامه طويلا بل التأمل فيه.
نفهم انّ تتعرض جماهير الأمة الى اكتئاب جماعي جرّاء الهزائم العسكرية كما حدث في اعقاب هزيمة الخامس من حزيران.. لكننا لا نفهم سبباً واحداً لهذه المناحة التي تسود الأمة في كل مرة يتعرض فيها احد الاندية الى هزيمة رياضية بل لا افهم سببا لمحاولة البعض ان يصاب بالسوداوية والتشاؤم كما حدث قبل أيّام.
لا نقلل من اهمية الرياضة للإنسان وهو ما اشار اليه رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم “علمّوا اولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل” لكن ان نجعل منها معيارا تتوقف عليه مصائرنا فهنا تكمن المشكلة. لسنا بحاجة الى عناء كبير للتعرف على مدى ما وصل اليه هذا الهوس الكروي الزائد في حياة الكثيرين من سجالات طويلة تتحول في بعض الأحيان الى عنف لفظي لا يخلو من حدة. وقد أفضت بالفعل إلى أمراض خطيرة كالقلق والتوتر وغيرها من أمراض.
وكما يحدث من مظاهر الحزن والألم في حالات الهزيمة فإنه وبالقدر ذاته في اوقات “الانتصارات” الكروية. فالانتصارات لا تعني بالضرورة ان يتحول المهووس الى حد ان يتجاوز حقه ويصادر حق الآخرين في الحياة. انّ البعض يعلن عن فرحته بالانتصار بإلغاء حق الآخرين في العبور بأمان على سبيل المثال. وكما اشار احدهم ذات مرة بأنّه يلزمنا - نحن العرب – مباريات حقيقية بهدف تحقيق انتصارات جوهرية على الفساد والأمية والتهميش والفقر واهدار الكرامة وحروب تكريس الدونية. هزائم نعيشها بالجملة تتطلب منّا ان نشمر عن سواعدنا وعضلات اطرافنا.
في الأمم المتقدمة غالباً تبقى الرياضة في اطارها المحدد لها أي لا تتجاوز كونها مسابقة رياضية لكنّها تحولت لدينا الى أشبه بالمعركة العسكرية يسبقها حملات اعلامية محمومة وشحن للجماهير - المستلبة في الأصل - وبالتالي فإنّ أية هزيمة تلحق به هي هزيمة للدولة التي ينتمي اليها. ولعل المثال الأبرز عربيّا ما جرى بين القطرين الشقيقين الجزائر ومصر من مجرد مباراة في كرة القدم الى أزمة سياسية. ونحمد الله أنها لم تصل الى معركة عسكرية.
وفي الدول المتقدمة ايضا تحولت الرياضة من مجرد لعبة رياضية هدفها فقط تنمية الجانب البدني في الانسان وبناء الجسد والعقل الى مصدر مهم للدخل اضافة الى اسهاماتها كمؤسسة اجتماعية تعالج الكثير من المشكلات المجتمعية وبهذا أصبحت إضافة الى كونها رياضية فهي في الوقت ذاته اجتماعية واقتصادية.
باختصار انّ سلوكنا الرياضي مجموعة من السلبيات وسلسلة طويلة من الفوضى التي تملأ الشوارع بالصراخ وكل هذا من اجل ان نعلن أننا حققنا الانتصار!، ويبدو انّ هذا المبدأ سيبقى سائداً الى ما شاء الله أو حتى تحين اللحظة التي نتمثل فيها سلوك الدول المتحضرة ليس على الصعيد الرياضي فحسب بل على جميع الأصعدة من سياسية ودينية.
انّ العرب بقليل من التأمل وبقليل من مراجعة السلوك وبقليل من تحكيم عقولهم قادرون على مسايرة الأمم المتحضرة التي سبقتنا بمئات السنوات.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .